النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

إنسان اليوم تحت سماء الإنترنت

رابط مختصر
العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443

  • إذا توقف الإنترنت، ولو لثوانٍ، فإن الناس تجن والأعمال تتوقف والنفوس تتلاطم

 

 

الكرة الأرضية هي درة الحياة في النظام الشمسي، وما كان للأرض ان تنعم بالحياة لولا الحماية الاستثنائية التي توفرها طبقة الأوزون التي تغلف كامل الكرة الأرضية. طبقة الأوزون عاشت وحيدة منذ ولادة كوكب الأرض، لا رفيق ولا مزاحم. بعد عمر تخطى الاربع مليارات سنة تشكل بجانب طبقة الأوزون طبقة اخرى خرجت من رحم عقل الإنسان، وهي طبقة الإنترنت.. طبقة الأوزون حمت الإنسان وطبقة الإنترنت شغلت الإنسان. الإنسان غافل عن طبقة الأوزون التي تحميه، ولكنه مشغول مهووس بشغف جنوني مع طبقة الإنترنت التي قد تؤذيه في بعض المواطن النفسية وحتى العقلية، رغم الخدمة المادية والثقافية والمعرفية المحسوسة، الى اليوم، بفضل هذه الطبقة الالكترونية المستحدثة.. شبكة الإنترنت، وهي شبكة سحرية تسحر جميع البشر على سطح الكرة الأرضية، وهو نمط من السحر لم يسبق له مثيل، لا في قوة التاثير ولا في سعة الانتشار ولا في تطويع النفس وارباك العقل، وليس مستبعدًا ان يصبح له دور رئيس، ذات يوم، في تقرير مصير الإنسان، خاصة وانه قد ثبت علميًا ان انشطة الإنسان عبر شبكة الإنترنت تحدث بصمة كربونية لها تأثير مدمر على طبقة الأوزون، مما يجعل من هذه الطبقة الإلكترونية سببًا جديدًا يضاف الى الاسباب البيئية التي تنخر في طبقة الأوزون، وهي خط الدفاع الاول والاهم لصد الاعتداءات الكونية على الكرة الأرضية من جميع انواع الاشعة المدمرة للحياة. هذا الكشف العلمي ينبؤنا ويحذرنا بأن حامي الحياة وحامي الإنسان على الأرض يعاني من دخيل، غير متوقع وغير مرغوب فيه، له قوة تدميرية تخلخل السد المنيع الذي تشكله طبقة الأوزون. صراع على الوجود، بل نضال، يخوض غماره غاز الأوزون ضد موجات إنترنت الالكترونية، بينما الإنسان مشغول لاهٍ تحت سحر الإنترنت.

أينما وجهت انظارك وحيثما ذهبت وحيثما جلست وحيثما مشيت ترى الناس جميعًا صامتين خاشعين بيدهم الكتاب السحري الإلكتروني (الهاتف الذكي - الموبايل) ورؤوسهم منكسة عليها كأنهم يصلون، وخشوعهم لهذه الصلاة الإلكترونية تفوق جميع أنواع الصلاة من دينية غيبية ووثنية صنمية.. لكل وظيفة في حياة الإنسان موعد وتوقيت ومدة محدودة، ولكن الإنترنت من خلال الهاتف يشغل الإنسان ويسلبه وقته كله، فهو أسير الإنترنت على مدار الساعة وفي كل مكان يتواجد فيه، في مكان العمل وفي الشارع وفي البيت، حتى في السرير والحمام، ولا يبالي على سلامته فتراه منكبًا على الهاتف وهو يسوق سيارته...

عبودية طوعية.. السيد المالك يعرف عبده ويشغله ويوجهه ويعبث بعقله ويلوث مشاعره، بينما العبد المملوك لا يعرف سيده ولا يهمه ان يعرفه، فهو غارق في عبودية تسعده وتشغله عن أمه وأبيه.. وهذا اشبه باليوم المنتظر، يوم الحساب، الذي لا يعرف فيه المرء أمه وأباه وبنيه.. نمط جديد وغير مسبوق من العبودية… ان يشتري الإنسان عبوديته بماله حيث يعطي سيده المجهول كل اهتمامه ووقته ومشاعره ويقفل ابواب عقله من اجل سيده، وهو في قمة السعادة، بل ومهووس بسعادته.. عبودية تقفز الى قمم الايمان، ايمان شبه مطلق يفوق الايمان الصادق.

مما يجرح النفس ويغضب العقل عندما نستشعر أن الإيمان الصادق تحت سقف الدين قزم أمام الإيمان المطلق تحت سقف الإنترنت.. تحت سقف الإيمان توجد مجموعات محدودة متفرقة من المؤمنين، بينما تحت سقف الإنترنت يوجد الإنسان بكامل سكانه العالمي ومن جميع الاديان والطوائف والمذاهب والأعراق.. كأن شبكة الإنترنت، غير المرئية، هي سماء يوم الحساب، جميع البشرية، منذ الخلق الى يوم الحساب، تحت سقف واحد وفي اتجاه واحد وأمام محاسب واحد.. ليس من تشبيه آخر يمكن أن يعبر عن حال الإنسان اليوم وهو أسير الإنترنت من خلال جهاز صغير حقير صار جزءًا عضويًا من يده، فلا يده تفارق الجهاز ولا الجهاز، بإغراءاته المكنونة، تدعه في حال سبيله الطبيعي.. إذا توقف الإنترنت، ولو لثوانٍ، فإن الناس تجن والاعمال تتوقف والنفوس تتلاطم، والمؤسسات المالية والاقتصادية والكيانات السياسية ترتبك.. هكذا اصبح الإنترنت بالنسبة للإنسان، فليس من حكم اليوم على الإنسان يعلو فوق حكم الإنترنت.. اذا توقف الإنترنت توقفت الحياة..

ومن ابشع آثار الإنترنت واكثرها مدعاة للجزع والخوف على علاقة الإنسان بالإنسان هي القصة التالية ذات الكلمات القليلة: «بعد 5 دقائق من توقف الإنترنت، قلت لنفسي هذه فرصة لأرى أمي وأبي، وكم كانت دهشتي إذ تعجبت من بكائهم فرحين لرؤيتي».. فما قيمة الحياة إذا توقف نبض العاطفة والحب في جنة الاسرة؟!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها