النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

أوكرانيا.. مستنقع الفشل

رابط مختصر
العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443

أنا ضد الغزو.. غزو أي دولة ذات سيادة، وتجاربنا كعرب وخليجيين بالذات إذ عانينا كثيرا من غزو العراق للكويت الدول العضو في الأمم المتحدة ومجلس التعاون، ولولا الظروف السياسية والمصالح الاستراتيجية والأهداف بعيدة المدى للولايات المتحدة بتدمير العراق كجزء من خطة التغيير في المنطقة العربية لما عادت الكويت.

أما الغزو الروسي لأوكرانيا منذ 24 فبراير 2022 الذي لم يحقق أهدافه حتى الآن فإني أراه ليس حربا بين روسيا وأوكرانيا، بل هي صراع شرس بين الشرق والغرب حول توزيع ومد مناطق النفوذ الجغرافي لكلا المعسكرين، وبهذه الحرب يعود العالم إلى أجواء وظروف الحرب العالمية الثانية التي انتهت بسقوط ألمانيا النازية وحلفائها وانتصار «الحلفاء» بقيادة الولايات المتحدة وروسيا، وتم بعدها توزيع الغنائم ليصبح العالم تحت السيطرة الأمريكية وحلفائها والروسية وحلفائها، وتشكل من أجل الحفاظ على هذه المكتسبات جهازين مهمين:

الأول: منظمة الأمم المتحدة بأجهزتها المتعددة وأهمها مجلس الأمن الدولي، الذي حكمت فيه الدول الكبرى الخمس العالم باستغلال حق النقض «الفيتو» الذي يقرر الحرب والسلام في العالم، أو يقف أمام أي مشاريع للسلم في أي منطقة من العالم كما هو الحال مع القضية الفلسطينية المستمرة منذ أكثر من سبعين عاما في أروقة الأمم المتحدة.

الثاني: الأحلاف العسكرية كحلف شمال الأطلسي «الناتو»، وحلف الدول الشرقية بقيادة روسيا «حلف وارسو»؛ واللذان يهدفان إلى حماية مكتسبات الحرب العالمية الثانية والوقوف أمام التهديدات المتوقعة بين الجانبين الغربي أو الشرقي.

إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية عملت على إفلاس الاتحاد السوفيتي بالآتي:

- الدخول مع الاتحاد السوفيتي في سباق الفضاء الذي كلّفه المليارات.

- دعم ثورات وحركات التحرر للتخلص من الهيمنة الشيوعية في الدول الحليفة لروسيا في حلف وارسو والدول الأخرى في القارات التي اتخذت من العقيدة الشيوعية الاشتراكية أساساً لنظامها السياسي.

- فتحت للاتحاد السوفيتي أبواب غزو أفغانستان؛ لكي تقضي على الحلم الروسي بالتمدّد والوصول إلى المياه الدافئة في الخليج العربي وبحر العرب، فأصبحت أفغانستان مستنقعا لهزيمة القوات الروسية وإنهاء النظام الشيوعي عام 1991 خلال ولاية الرئيس رونالد ريغان، فأصبح العالم بعدها محكوما بقوة منفردة هي الولايات المتحدة الأمريكية.

واليوم، ومن خلال النظرة العامة لمجريات الصراع في أوكرانيا نجد أن الولايات المتحدة تستخدم ذات الخطة الاستراتيجية التي نفذتها في أفغانستان لإنهاء الحلم الروسي بالعودة إلى عالم القوة العظمى، وذلك بعد أن وجدت أن الدب الروسي قد نفض غبار هزيمة انهيار النظام ليعود من جديد قطبا رئيسيا للقوة في العالم؛ لذلك استغلت الولايات المتحدة أوكرانيا لتنفيذ مخططها، ووجدت في الرئيس الأوكراني الأداة المناسبة لتنفيذ هذا المخطط الهادف إلى القضاء على روسيا نهائيا وجعلها دولة عادية كما كانت في بدايات سنوات الانهيار في التسعينيات.

إلا أن تحقيق الهدف الأمريكي ليس ممكنا لاختلاف الظروف والمعطيات والتي من أهمها:

أولا: اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على النفط والغاز الروسي اعتمادا كليا حتى الان قد يصل إلى عام 2025 حتى إذا خططت الدول الأوربية تقليص الاعتماد عليه، وقد حاولت الولايات المتحدة الضغط على حلفائها وأصدقائها في المنطقة لوقف استيراد النفط والغاز الروسي، خاصة الهند التي أوضح رئيس وزرائها للرئيس بايدن الذي زار دلهي الشهر الماضي لهذا الهدف بأن «على الرئيس بايدن أن يوقف حلفاءه الغربيين الذين يستوردون أضعاف ما تستورده الهند من روسيا أولا قبل أن يطلب من الهند ذلك». 

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة أعلنت حظر جميع واردات النفط والغاز من روسيا، كما أن الاتحاد الأوروبي يستورد حاليا ربع حاجته من النفط وحوالي 40% من الغاز من روسيا؛ لذلك لم يعلن التكتل عن فرض حظر كامل على قطاع الطاقة الروسي حتى الآن، ولكن المفوضية الأوروبية أعلنت أنها ستتحول إلى الإمدادات البديلة، وتوسع الاعتماد على الطاقة النظيفة بسرعة أكبر، على أمل تمكين أوروبا من وقف الاعتماد على واردات النفط والغاز الروسي بشكل كامل قبل عام 2030. 

وكانت ألمانيا قد علقت اعتماد خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2»، وهو مشروع خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي بطول 1200 كيلومتر يمتد من غربي روسيا إلى ألمانيا تحت بحر البلطيق.

ثانيا: قوة الاقتصاد الروسي وعملة الروبل أمام الدولار الأمريكي الذي يواجه تراجعاً في قيمته، حيث تمكن الروبل من تعزيز مكانته في الأسواق العالمية لربطه بالذهب الذي ارتفعت أسعاره، وكذلك احتواء التضخم في الاقتصاد الروسي الذي راهنت الولايات المتحدة عليه، خاصة بعد العقوبات الاقتصادية على روسيا وحلفائها والإجراءات والقرارات ضد الأفراد والمتعاونين معها، فقام الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا بتشكيل فريق عمل عبر المحيط الأطلسي لتحديد وتجميد أصول الأفراد والشركات الخاضعة للعقوبات، كما أعلنت بريطانيا عزمها فرض قيود على منح التأشيرات الذهبية التي سمحت للأثرياء الروس بالحصول على حقوق الإقامة في بريطانيا، ومن المقرر أن يناقش النواب البريطانيون مشروع قانون الجرائم الاقتصادية، الذي يهدف إلى تجميد أصول حلفاء بوتين في المملكة المتحدة.

وفي مقابل ذلك قامت روسيا برفع سعر الفائدة الرئيسية بأكثر من الضعف لوقف تراجع الروبل، الذي انخفضت قيمته مقابل الدولار بنسبة 30% بعد فرض العقوبات ليستعيد مكانته بعد فترة أمام الدولار، كما قامت بمنع مدفوعات الفوائد للمستثمرين الأجانب الذين يحملون سندات حكومية، وحظرت على الشركات الروسية دفع أموال للمساهمين الأجانب، ومنعت المستثمرين الأجانب الذين يمتلكون عشرات المليارات من الدولارات من الأسهم والسندات الروسية من بيع تلك الأصول.

ويشعر الاتحاد الأوروبي بالقلق من قيام العديد من الأثرياء الروس بتحويل مدخراتهم من الروبل إلى عملات مشفرة كالبيتكوين للالتفاف على العقوبات، حيث ترفض أكبر بورصات العملات المشفرة في العالم فرض حظر شامل على العملاء الروس، كما هددت وزارة الخارجية الروسية بفرض عقوبات على الغرب، قد تشمل تقليل أو إيقاف إمدادات الغاز إلى أوروبا، خصوصا بعد أن منعت شركات الطيران البريطانية من دخول المجال الجوي الروسي أو الهبوط في المطارات الروسية.

إن الحملة العسكرية الروسية حققت حتى بعض أهدافها في هذه الحرب، ووجدت أوكرانيا نفسها وحيدة أمام روسيا رغم الكم الكبير من السلاح الذي يصلها من الولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى الدمار الهائل الذي حل بأراضيها، حيث تمكنت روسيا من احتلال المناطق الشرقية من أوكرانيا لإنشاء جمهورية دونتسك وجمهورية لوغانسك، والسيطرة على ميناء ماريوبول، وتعتبر تلك من أهم أهداف الحرب التي كان بالإمكان وقفها لو تعهدت أوكرانيا بعدم الدخول عضوا في حلف شمال الأطلسي!

ولكن تبقى الأهداف الأمريكية أبعد من ذلك بكثير، وأهمها إنهاء مخطط روسيا في استعادة مكانتها كقوة عظمى في العالم، لتستمر الولايات المتحدة متصدّرة القوة في العالم، إلا أن هذا أمر غير ممكن عند انتهاء الحرب؛ لظهور متغيرات أساسية سيشهدها العالم كما حصل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها