النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

لبنان في مفترق طرق

رابط مختصر
العدد 12097 الأحد 22 مايو 2022 الموافق 21 شوال 1443

في ذروة الاحتجاجات التي شهدها كل من العراق ولبنان قبل نحو عامين ونيف، وهي الاحتجاجات التي ارتقت بعنفوانها وبجماهيريتها وبمضامين شعاراتها إلى أن تكون «ثورة» في البلدين، وقد كانت تعبيرًا حقيقيًا خارجًا من رحم معاناة الناس من اختلالات أمنية وسياسية وتدهور واضح في المنوالين الاقتصادي والاجتماعي في البلدين اللذين تتعرض سيادتهما لانتهاكات إيرانية تجاوزت حدود التأثير الخفي أو غير المباشر إلى نوع من الوقاحة تجلى في تدخلات سافرة تجاوزت مسائل السيادة الوطنية لتخوض في أدق تفاصيل حياة الناس اليومية، فكل ما في الدولتين من مرافق صار بقدرة أحزاب العمالة تحت رحمة العبث الإيراني.

 لقد فرض تطور الاحتجاجات على العراقيين طرح مطلب إنهاء الهيمنة الإيرانية على القرار العراقي، وأضحى هذا المطلب واحدًا من المطالب المرتبطة تمامًا برحيل الطبقة السياسية الموالية لإيران، وهو التطور نفسه الذي ينبغي أن يوجه بوصلة المحتجين في لبنان إلى التفكير في جعل المطالبة بإنهاء هيمنة «حزب الله» على الحياة السياسية أمرًا ملحًا وعاجلاً، وطرح مسألة نزع سلاح «حزب الله»، الذي يدعي حسن نصرالله كاذبًا إنه سلاح «المقاومة» طرحًا جادًا يمنع على حزب نصرالله وغيره من الأحزاب الطائفية حمل سلاح يُفترض أن يكون حكرًا على الدولة ولا يُمكن لأي كان أن يشاركها هذا الأمر.

 بنية النظامين السياسيين، في العراق ولبنان، واحدة فهي قائمة على المحاصصة الطائفية، وهو نظام اكتوت لبنان بنيرانه في حرب أهلية كادت تُهلك لبنان لولا وقفة المملكة العربية السعوديّة وعدد يسير من الدول العربية التي ساهمت في عقد اتفاق الطائف الذي أنهى الاقتتال اللبناني، وأعاد إلى الحياة السياسية نوعًا من الغطاء الديمقراطي الانتخابي الذي يوحي بأن النظام هناك مدني على خلاف الحالة العراقية التي أورثها دستور بريمر أسوأ نظام محاصصة طائفية وعرقية وقادها العبث الأمريكي إلى أن تتحول إلى لقمة سائغة ابتلعها الجار الإيراني أو كاد لولا بقايا أصوات وطنية حرة. ويبدو، من وجهة نظري، أن لبنان في ظل هيمنة «حزب الله» وحلفاءه الذين يتستر عليهم نظير سكوتهم عن سلاحه، يغرق أكثر فأكثر في التبعية الإيرانية بسبب إمساك «حزب الله» بمفاصل الدولة اللبنانية، إمساكًا حوله إلى سرطان خرب خلايا الدولة لتتهاوى وتتحول بدورها إلى لقمة جديدة يبتلعها نظام الملالي الإرهابي الثيوقراطي في إيران لا حبًا في لبنان وشعبها وإنما خدمة لمصالح إيران ونواياها التوسعية التي اتخذت من الدفاع عن المذهب ذريعة للتمدد غربًا.

 وها هي اليوم انتخابات لبنان تعطي نتائجها، وقد جاءت، نسبيًا، على ما يتمناه اللبنانيون التواقون إلى التغيير لبناء الدولة المدنية الحديثة المتخففة من السيطرة التي يفرضها «حزب الله» على الدولة والمجتمع اللبنانيين بفائض القوة العسكرية. ولو أننا قارنا نتائج انتخابات لبنان مع ما أسفرت عنه انتخابات العراق التي أجريت قبل أشهر ثمانية تقريبًا وإلى الآن تلقي بظلال من الشك على إمكانية تشكيل حكومة لاحتدام التنافس بين طبقة الحكم الشيعية المنقسمة إلى تيارات وجماعات للسيطرة على الحكم لوجدنا أنها جاءت مقاربة لنتائج الانتخابات العراقية، لجهة خسارة القوى الطائفية والمذهبية المتحالفة مع «حزب الله» صفتها التمثيلية لشعب يريد التغيير. ففي العراق قوى تقف ضد التغيير وعودة العراق إلى حاضنته العربية وسحب سلاح منفلت في أيدي أحزاب دينية مهمته إرهاب الناس، وهذا بالضبط ما يجب أن تعمل عليه الأحزاب والكتل في البرلمان اللبناني. 

 الشيء المؤكد أنه لا انتخابات العراق استطاعت أن تستبدل الطبقة الحاكمة الفاسدة، ولا لبنان نجح في ذلك أيضًا؛ لأن هذا مستحيل أن يحدث دفعة واحدة لتجذر هؤلاء في بنية المجتمع. لكن الأكيد أن ثمة تحولات تقدمية في تشكيلة المجلسين النيابيين في البلدين. ففي العراق هناك توجه قوي لتشكيل حكومة وطنية على عكس حكومات المحاصصة السابقة، وفي لبنان اليوم إلى جانب سقوط شخصيات قوية متحالفة مع «حزب الله»، فإن هناك قوى التغيير المنبثقة عن «ثورة» أكتوبر، إلى جانب وجود حزب القوات اللبنانية الذي شكل دومًا تيارًا ممانعًا لـ«حزب الله» وحلفائه. 

 قراءة المشهد اللبناني بعد ظهور النتائج الكلية للانتخابات، تستوجب وضع سؤال على نحو يستقطب اهتمام كل المعنيين بإحداث التغيير، والسؤال: هل إن فشل الأحزاب المتحالفة مع «حزب الله» في الانتخابات يفتح الطريق لقوى التغيير أن تنفذ وعودها للبنانيين؟ وإجابة عن هذا السؤال أقول إن الحديث عن برامج القوى الجديدة التي وصلت إلى البرلمان إضافة إلى القوى السابقة التي جدد لها، مثل حزب القوات اللبنانية وكانت تقارع «حزب الله» وحلفاءه في إحداث التغيير أمامها قضايا مهمة وقضايا على درجة أهم. وبدون العمل معًا على تفكيك القضايا الأهم والتي يأتي على رأسها قصر حمل السلاح على الدولة، أي سحب السلاح من «حزب الله»، فإنه لن يتأت للبنانيين إحداث التغيير المرجو إلا بتشكيل تكتل قوي لا يساوم تحت أي عنوان على نزع هذا السلاح الذي شكل درعًا لحماية الفاسدين والمجرمين الذين أوصلوا لبنان للحال الاقتصادية والأمنية المزرية التي وصل إليها، فلبنان الآن في مفترق طرق، فإما نجاة وإما غرق نهائي في المستنقع الإيراني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها