النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

رفع أسعار الفائدة.. المبررات والتداعيات

رابط مختصر
العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443

بعد فترة طويلة نسبيًا تجاوزت العقدين من الزمن والتي ظلت فيها أسعار الفائدة فى مستويات متدنية، تبدأ الآن دورة جديدة من ارتفاع أسعار الفائدة والتي قد تستمر في المدى المنظور. 

وبالنسبة للدول التي باشرت في رفع أسعار الفائدة مثل أمريكا وبريطانيا وقريبًا أوروبا، فإن المبرر الأساسي هو ارتفاع معدلات التضخم لديها بشكل أكبر بكثير من المعدل المستهدف من قبل السلطات النقدية، وهو في حدود 2%، بينما وصل التضخم فى أمريكا الى ما يزيد على 8% وهو المعدل الذي لم تعرفه منذ أكثر من أربعين سنة، كما وصل التضخم الى 7% فى بريطانيا. 

ووفقًا لذلك بدأت السلطات النقدية فى هذه الدول بالتخوف من أن مثل هذه المعدلات من التضخم من شأنها أن تؤدي الى انكماش النمو الاقتصادي، هذا إذا لم تؤدِّ الى حالة من الركود. 

وتلافيًا لمثل هذه النتائج أصبح موضوع رفع أسعار الفائدة أمرًا ضروريًا لكبح جماح التضخم وضمان استقرار الأوضاع المالية والاقتصادية. 

وفي الواقع فإن مؤشرات التضخم قد بدأت في الظهور حتى قبل اندلاع حرب أوكرانيا، حيث إن السياسة النقدية المتراخية والتي اتبعت من قبل البنوك المركزية الرئيسية في العالم والمتمثلة في الإبقاء على معدلات فوائد منخفضة جدًا طوال فترة ليست بالقصيرة وتدخل السلطات النقدية من خلال شراء السندات الحكومية، اضافة الى المبالغ الكبيرة التي ضختها السياسة المالية لتعويض الخسائر التي تكبدتها أنشطتها الاقتصادية من جراء جائحة كورونا كل هذه الأموال الكبيرة قد أدت الى توافر كمية هائلة من السيولة انعكست بالطبع في شكل ارتفاع الأسعار وتفاقم ظاهرة التضخم. 

حرب أوكرانيا أتت لتضيف مزيد من الضغوط التضخمية من خلال تعثر إمدادات المحاصيل والمواد الغذائية، اضافة الى نقص في إمدادات موارد الطاقة نتيجة لمقاطعة أمريكا والى حد ما أوروبا للغاز والنفط الروسي، الأمر الذي أدى الى ارتفع كبير في أسعار النفط. 

إن رفع أسعار الفائدة وإن كان من شأنه بالدرجة الأولى معالجة الأسباب المحلية للتضخم مثل فائض السيولة وشدة الطلب، إلا أن العوامل الخارجية مثل تعثر إمدادات المواد الغذائية ونقص موارد الطاقة وارتفاع أسعارها قد تبقى خارج السيطرة الى أن تزول أسبابها. 

مبررات رفع أسعار الفائدة قد تختلف لدى دول آخرى فعلى سبيل المثال فإن الدول المرتبطة عملاتها بالدولار كمعظم دول المنطقة، فإن مبررات رفع سعر الفائدة ليس بالضرورة راجع الى ارتفاع مستوى التضخم بقدر ما هو راجع الى مبررات آخرى تتعلق بالحاجة الى ضمان استقرار أسعار الصرف واستقرار حركة رؤوس الأموال والتحويلات المالية. 

أما بالنسبة لتداعيات رفع أسعار الفائدة فهي عديدة، أولاها إمكانية تراجع معدلات النمو الاقتصادي هذا اذا لم يؤدِّ ذلك الى حالة من الركود. وفي حال استمرار حالة التضخم لفترة طويلة فإن اقتصاديات العالم يمكن أن تواجه ما يعرف بالركود التضخمي والذي يتلازم فيه وجود تضخم مع حالة ركود.

 بالنسبة الى تأثير رفع سعر الفائدة على قيمة الدولار فإن العملة الأمريكية في هذه الحالة تزداد جاذبيتها وبالتالي يزيد الطلب عليها، الأمر الذي يرفع من قيمتها. هذا بالتبعية ينطبق على العملات المرتبطة بالدولار، حيث تزداد قيمتها. 

وفي حالة دول المنطقة المرتبطة عملاتها بالدولار فإن ارتفاع قيم عملاتها من شأنه جعل وإيرداتها أقل كلفة الأمر الذي من شأنه من ناحية الحد من ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة لكن من ناحية آخرى من شأن ذلك تسهيل زيادة الاستيراد، هذا اضافة الى أن ارتفاع قيم عملات دول المنطقة من شأنه جعل صادراتها أقل تنافسية. 

من التداعيات الآخرى لرفع أسعار الفائدة هو زيادة تكاليف الاقتراض، سواء لدواعي عمليات الإنتاج او للنشاط العقاري، خاصة تلك التي تعتمد على الرهون العقارية، وبالتالي فإن تداعيات رفع أسعار الفائدة على قطاع العقار لا تعتبر إيجابية. 

كذلك فإن التداعيات لا تعتبر إيجابية ايضًا لكل من قطاع الأسهم والسندات لذلك نشهد وفقًا لذلك تراجعات في هذه القطاعات على الصعيد العالمي، وقد تزداد هذه التراجعات مع الاستمرار في رفع أسعار الفائدة. 

هناك بالطبع تداعيات إيجابية وإن كانت في قطاعات محدودة مثل قطاع المصارف، حيث إن رفع سعر الفائدة من شأنه زيادة أرباح البنوك نظرًا لارتفاع الهامش الذي تتقاضاه المصارف في شكل الفرق بين سعر الإقراض ومستوى ما تمنحه للمودعين والذين يفترض أن ينالهم عائد متزايد مع تزايد رفع سعر الفائدة. 

هناك بالطبع تداعيات أخرى خاصة بالدول النامية والتي تتمثل في إمكانية نزوح رؤوس الأموال تجاه الدول ذات أسعار الفائدة الأعلى، كما أن من شأن ذلك زيادة أعباء الدول المثقلة بالديون الدولارية، حيث إن رفع سعر الفائدة على الدولار ينعكس في شكل تكاليف أعلى لهذه الديون سواء السيادية منها او الخاصة بمؤسسات هذه الدول، الأمر الذي قد يجعل من عملية تسديد هذه الديون مسألة صعبة جدًا إن لم تكن متعسرة. وسواء تعلق الأمر بمبررات او تداعيات رفع سعر الفائدة فإنه يمكن أن تقل حدتها في حال حصول انفراجه في حرب أوكرانيا، وبالتالي ترجع إمدادات المحاصيل والمواد الغذائية الى وضعها الطبيعي، كما أن ذلك من شأنه أن يخفف من الضغط على مصادر الطاقة في حالة انتهاء المقاطعة للنفط الروسي، وبالتالي ترجع أسعار المواد الغذائية وأسعار النفط الى مستوياتها فيما قبل الحرب. كذلك اذا تقلص مستوى النشاط الاقتصادي وساد التخوف من حصول ركود اقتصادي، فإن هذه العوامل مجتمعة لا بد أن تخفف من حدة الضغوط التضخمية، وبالتالي قد تؤدي الى وضع تنتفي فيه مبررات الاستمرار أو على الأقل تخفيض وتيرة رفع سعر الفائدة. هل مثل هذه الأمور يمكن أن تتحقق؟ لا أحد يضمن ذلك.

 

*الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها