النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

حين يكون الغباء موهبة وصناعة..!!

رابط مختصر
العدد 12092 الثلاثاء 17 مايو 2022 الموافق 16 شوال 1443

ثمة مثل ياباني يقول: «حتى الغبي يملك موهبة»..!، وهناك من قال بان الغباء يحمي صاحبه من ان يجن، وذهب احدهم الى القول «الغبي هو الذي ينتظر الشيء الذي لا يأتي أبداً»، هؤلاء الأغبياء كما قال احدهم لا يمكن تجاهلهم دائماً ولكن يمكن العثور على طرق فعّالة للتعامل معهم لأننا لن نكون قادرين على تغيير عقولهم، وفي هذه الحالة ذهب احدهم الى تشبيه التعامل معهم بأنه أشبه بالتعامل مع شبكة بطيئة الإرسال والاستقبال..!!

وهناك من قال: لا نتخيل الحياة بلا اغبياء، والا اصبحت حياة، ركيكة، بلا طعم ولا رائحة..!، فيما رأى البعض ان الغباء في بعض الأحيان يساهم بطريقة او بأخرى في حل بعض المعضلات، ويتجلى ذلك حين يساهم الغبي في حل مصالح الأذكياء، ربما من هذه الزاوية قال الأديب الكبير ليو تولستوي إنه «يجب ان نقدر رأي الأغبياء كونهم الأغلبية»، وللرجل رأي آخر يقول «الأغبياء هم الذين يعرفون كيف يدّبرون أمورهم اكثر من غيرهم»..! 

في شأن الغباء والأغبياء هناك كم لا يستهان به من القصص والأمثال والحكم والوقائع، منها من رأى في الغباء موهبة في سوء الفهم، وهناك مثل يقول «اعتذار الغبي أسوأ من خطاياه»، ومثل آخر يقول «يستطيع الغبي ان يطلب ما يعجز عشرة حكماء عن طلبه»، وفي نفس الوقت هناك من حذر من الأغبياء الذين لا حدود لغبائهم..!، وهناك من رأى بأن الغبي هو الذي لا يرى عيوبه، وبدا واضحاً ان هناك أغبياء ولكنهم بارعون في تسويق أنفسهم، يكفي التمعن في صفحات وحسابات كثير من منصات التواصل الاجتماعي، ومسار الحوارات في بعض البرامج التليفزيونية، مواقف وتصريحات بعض النواب لاسيما الذين يبالغون في تقديرهم لأنفسهم في المقدمة منهم اولئك الذين يظهرون أنفسهم وكأنهم نواب ليسوا كالنواب، نواب على علم بكل صغيرة وكبيرة وكل شاردة وواردة..!! 

بعض معاجم اللغة العربية تعرّف الغباء بأنه الجهل وعدم الفطنة والذكاء، وتضيف الى هذه الصفات، البلادة وعدم الانتباه..!، وهناك تراث في هذا الشأن، الكثير من المشاهد والوقائع التي سيطر وتصدر فيها الغباء مسجلة وموثقة، ويمكن الرجوع اليها بسهولة، وتحضرنا مقولة لنابليون بونابرت «الغباء في السياسة ليس عائقاً»، وفي هذا السياق وجدنا من يلفت النظر الى ما أسماه بالغباء التكتيكي من النوع الذي اشار اليه جيمس ف ويلز في كتابه «فهم الغباء»، اي حين يكون الغباء او الاستغباء مناورة تكتيكية بهدف منع الاعتراضات او النقد، كما ينسحب الغباء التكتيكي على اولئك الذين يعرفون ان هناك حقائق تتعارض مع موقفهم لكن يدعون جهلهم بهذه الحقائق، ويطالبون بحقهم في إثبات تأكيد تلك الحقائق، كما يشير الى نوع آخر من الغباء هو الغباء الفكري، ويرى ان هذا النوع من الغباء هو الذي يخرج من الخط المنطقي في الرأس ولا علاقة له بالتجربة، بمعنى انه يمكن ان يكون المفكر المتقدم بكل أفكاره غبياً تماماً لأن هذه الأفكار تمنع من الانخراط فى تفاعل ذكي في العالم الحقيقي..!

في كتاب «القوانين الأساسية للغباء البشري» يدعو المؤرخ الاقتصادي بجامعة كاليفورنيا كارو سيبولا الى انقاذ أنفسنا من الخسائر التي يتسبب بها الأغبياء والتي تعرقل النمو الانساني من خلال بذل جهد اكبر للتعويض عن الخسائر التي يتسبب بها الأغبياء، وفي الوقت الذي يقر بصعوبة تقديم تعريف محدد للغباء، غير ان هذا ليس دليلاً لنفي وجوده من حولنا، ومن ضمن اهم ما خلص اليه الرجل 

«ان الغباء صناعة، تصنع كما تصنع الأحذية، ويصنع كي يلبس، ولكن في الرأس لا في القدم»..!، وربما من هذه الزاوية وجدنا من يرى بان صناعة الغباء اصبحت تجارة رائجة اكثر من اي وقت مضى، واصبح الغباء باسطاً سطوته في كل شأن ومجال، في التعليم كما في الاعلام، في محطات برامج ومسلسلات تليفزيونية، كما في برامج المقالب وأغانٍ ومسرحيات هابطة، كما في التعاطي مع شئون سياسية، وفي الشئون العامة، وفي غير ذلك من المجالات..! 

امامنا كتاب آخر عنوانه «الغباء السياسي: كيف يصل الغبي الى كرسي الحكم» لمؤلفه محمد توفيق استحضر فيه مؤلفه ما اطلق عيه تراث من الغباء السياسي الذي وجد بأنه كان يتصدر المشهد السياسي بطول التاريخ وعرضه، بدءاً من «بيبي الثاني» الذي اعتبره اول حاكم غبي في التاريخ، اعتلى العرش وعمره ست سنوات، وبقى في السلطة 94 عاماً، وعرفت مصر في عهده الفساد والانحلال والانقلابات والحروب الأهلية، ماراً بالعديد من الأمثلة من ضمنها قراقوش، «بهاء الدين قراقوش» الذي اعتذر له من منطلق انه لم يكن في يوم من الأيام بهذه الحماقة والغباء التي صارت عنوانا لمرحلة مضت، ويقول ان هذه المرحلة لم تصل في قسوتها الى الحد الذي وصل اليه أغبياء اليوم اذ انجز برأي المؤلف ما يكفي لتخليده كواحد من اعظم وزراء مصر في تاريخها..!

يمكن ايضاً الرجوع الى دراسة أجرتها جامعة ليندبرج السويدية التي خلصت الى ان العمل او التعامل مع اشخاص اغبياء او محدودي الذكاء والفهم يزيد من امكانية اصابة الانسان بالتوتر العصبي وهو يؤدي بدوره للإصابة بالعديد من الأمراض أخطرها الأزمات القلبية، ويزداد الأمر سوءاً حين يكون سقف التوقعات عالياً من ممن هم اغبياء فعلاً، باعتبار ان الغباء يختلف عن التغابي، فالأول يعني ضمن ما يعنيه قصور او فقدان الفهم الواعي لمتغيرات الواقع، والثاني يعني التغافل عن متغيرات الواقع لحاجات او مآرب في نفس المتغابي، وما اكثر المتغابين في عالم اليوم..!

واذا كان هناك من خلص الى ان هناك أنواعاً للغباء، منها ودون الدخول في التفاصيل الغباء الخلقي،، والغباء الناتج عن الجهل بالعلم وتفضيل الخرافات والأوهام والخزعبلات، والغباء المصلحي الذي ينتشر عادة عند اولئك الذين ينطلقون من ان الغاية تبرر الوسيلة، ويرون ان كل شيء مقبول طالما يحقق له المصلحة حتى وان كان ذلك يتم بشكل وضيع وانتهازي، وهناك ايضاً ما عرف بالغباء الأخلاقي الذي يجعل صاحبه يطيح بكل قيمة اخلاقية، ويلفت الانتباه الى أغرب الفتاوى السياسية الغبية ومنها فتوى تحريم التصويت في الانتخابات البرلمانية، معتبراً ان من يصوّت لصالح احد المرشحين هو آثم، وخائن للأمانة..!، ويتطرق الى فتاوى عجيبة اخرى ويخلص الى ان تلك الفتاوى ليس كلها نفاق للحاكم وانما أغلبه غباء، وهؤلاء ليسوا فقط أغبياء انهم الى جانب ذلك محرضون على الحماقة والتفاهة حتى لا تُسمع أنات الشعوب. 

لماذا نتحدث عن الغباء والأغبياء، والحماقة والتفاهة..؟!

ربما لاننا بعد شهور قليلة على موعد مع موسم جديد لانتخاب «طاقم» جديد من البرلمانيين، موسم يستنهض فيه الشارع الانتخابي، و يمارس فيه «شد العصب»، تكثر فيه الشعارات واطلاق الوعود والخطب واستخدام شتى أنواع «الأسلحة» الكلامية، وتبني الرؤى المختلفة، والاعلان عن مقاصد سياسية واجتماعية ووطنية، وتركيز على مطالب الاصلاح ومحاربة الفساد وغير ذلك من الأهداف والشعارات التي ألفناها في الانتخابات الماضية، مرشحون يتبنونها ويطلقونها، ومنهم من يستنسخها من برامج اخرى، ومنهم لا يتبنى اي برنامج او اهداف كذلك الذى ترشح في الانتخابات الماضية معلناً انه يفعل ذلك خشية ان يُسرق برنامجه الانتخابي، ونواب يعاودون بكل ثقة الترشح رغم انتهاء صلاحيتهم، هذا ان كانت لهم صلاحية من الأساس، وجدناهم يتقلبون في مواقفهم المعلنة مع غير المعلنة، ويتعاملون مع الناخبين كأنهم أغبياء لم يبلغوا سن الرشد، لا حول لهم ولا رأي، ولا موقف، ولا ارادة، هؤلاء باختصار نماذج غبية وسيئة فى مسار التجربة البرلمانية..! 

ربما لأننا إضافة الى ذلك وجدنا ان هناك من الأغبياء من يكررون الكلام الغث، والمكرر، والسطحي، من نواب، ومسؤولين وغيرهم وحتى من بعض من باتوا يظنون - رغم ان بعض الظن اثم - بأنهم اصحاب رأي وفكر، وموقف، ومنهم من هم بحسبة داعية او رجل دين، وآخرين يقدمون أنفسهم وبمنتهى الجرأة بصفات مثل سياسي، خبير، محلل، مفكر، كاتب، اعلامي، ناشط، ويطرحون الكلام الغث والهزيل، ويلحون عليه بمناسبة ودون مناسبة، يمتلكون الاستعداد للحديث فى العلوم والفلسفة والسياسة والاجتماع وحقوق الانسان والأديان والعقائد وعلوم التكنلوجيا، وفي كل شأن وأمر، ومكمن الغباء انهم يعتقدون بأنهم مميزون ويقومون بمهمة وطنية جليلة، وثانياً انهم يحسبون ان الناس تصدقهم وتتفاعل معهم، انهم باختصار «ظاهرة مرضية»..!

لأننا اصبحنا اليوم نشهد وعبر منصات التواصل الاجتماعي اشكال من التفاهات والغباء، وخاصة من جانب بعض من باتوا يعرفون بالمؤثرين، يجيدون التعامل مع انواع من الفقاعات الضخمة من الكلام الملوث، كلام حول اللاشيء، او كلام حول توافه الأمور، او كلام في القشور، او كلام وراءه مآرب واسترزاق، متخمين ببطولات وهمية خاصة حين يظهرون انفسهم وكأنهم يفقهون في  كل شيء، ويعلقون على كل شيء دون كوابح، ومنهم من نصّب نفسه حكماً على الآخرين، يفتش في نواياهم، وينتقد اقوالهم وأفعالهم، واحياناً يمنح صكوك الوطنية لهذا او ذاك، والخلاصة اننا نجد انفسنا امام حالة يتحالف فيها الجهل والحماقة والبؤس والغباء وانتحار المنطق..!

ربما لاننا وجدنا أنفسنا امام بعض المحطات التليفزيونية تحتفي بكل ما هو هامشي ومهرج ومقزز و«اراجوز»، تفرد لهؤلاء مساحات وتقدمهم باعتبارهم اصحاب ابداعات، في الوقت الذي تهمل اصحاب الابداعات الانجازات الحقيقية، وتركز وجهتها على برامج المقالب المنفلتة وتصرف عليها الملايين، وعلى برامج حوارات جوفاء، فاقدة الرسالة والقيمة وتتسم بالتنمر مع الضيوف والهدف تحقيق أعلى نسب ممكنة من المشاهدة حتى وان كان تقديمها بصورة غبية، وتتعامل مع الجمهور بغباء..! 

ربما لاننا اصبحنا نجد أغبياء وهم يتولون بقدرة قادر مواقع قيادية، يُفرضُون على الناس فرضاً، لا يمتلكون الكفاءة التي هي جوهر الأهلية المكتسب بالعلم والخبرة والوعي بالمتغيرات وادراك للتحديات، لا يجيدون سوى المراوحة، والقيام بنفس الشيء، بنفس العقلية، بنفس الاسلوب، بنفس الآليات، وان تفوقوا في شيء ففي تسطيح معنى المسؤولية ومحاربة الكفاءة والأكفأ وبطرق يغلب عليها الغباء..!!

لكل ذلك وغيره نتحدث عن الغباء لأنه بات علينا التفكير والعمل على حماية انفسنا واولادنا من فخ الغباء ومآرب المتغابين..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها