النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

فرنسا ومرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية

رابط مختصر
العدد 12088 الجمعة 13 مايو 2022 الموافق 12 شوال 1443

  • لا ينبغي أن نستغرب أن وجدنا بعض التغيرات على سياسة فرنسا الخارجية

إن إعادة انتخاب ايمانيول ماكرون بفارق مهم عن منافسته مارين لوبن فى الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة لا يعني مع ذلك أن حكم ماكرون لفرنسا خلال السنوات الخمس القادمة سيكون مفروشا بالورود. فى الواقع أن هناك كثيرًا من المعطيات التي تشير الى أن أمام مكرون طريق صعب وقد يكون شائكًا مقارنة بالخمس سنوات الماضية. ان أهم هذه المعطيات هي تزايد نسبة غير المشاركين في الانتخابات الاخيرة، حيث بلغت نسبتهم 26% مقارنة بنسبة 22% في الانتخابات السابقة عام 2017. وارتفاع هذه النسبة ان دلّ على شيء فإنه يدل على عدم قناعة شريحة هامة من الشعب الفرنسي بالسياسة الفرنسية المتبعة خلال الخمس سنوات الماضية. صحيح ان ماكرون قد فاز بنسبة هامة مقارنة بمنافسته إلا أنه خسر أكثر من مليوني صوت في هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات السابقة. ولابد كذلك من الاشارة إلى أنه حتى الذين صوتوا لماكرون في الجولة الثانية ليسوا بالضرورة من المقتنعين بسياسة ماكرون أكثر من كونهم يسعون بهذا التصويت الى منع وصول مرشحة اليمين المتطرف إلى سدة الرئاسة.

كذلك من المعطيات الهامة الآخرى في المشهد السياسي الفرنسي والذي لابد لمكرون من أخذه في الاعتبار هو التصاعد الملفت لشعبية الاحزاب المتطرفة سواء كانت يمنية او يسارية حيث أن هذه الاحزاب مجتمعة تمثل ما يفوق على ماحصل عليه ماكرون وبالفعل فقد حصلت هذه الاحزاب على نسبة كبيرة من الاصوات تزيد بكثير عما حصلت عليه في الانتخابات السابقة وهذا ما يؤكد على تزايد شعبيتها.

إن إشكالية هذه المعطيات امام رئاسة مكرون القادمة سوف تنعكس أيضًا وقريبًا في الانتخابات التشريعية الشهر القادم والتي قد تمثل عقبة كبيرة امام ماكرون في إدارته للسياسة الفرنسية خلال الخمس سنوات القادمة والتي قد تضطره إلى القبول ببعض التنازلات لضمان سير الامور ليس بالضرورة تماما حسبما يريد لكن أخذا في الاعتبار الثقل الانتخابي المتزايد للاحزاب الفرنسية الآخرى والتي قد لا يكون متفقا معها تمام الاتفاق. ان المعطيات التي أفرزتها الانتخابات الفرنسية الاخيرة قد تؤثر ايضا في التشكيلة الوزارية الجديدة بدءًا من اختيار رئيس الوزراء الجديد والذي لابد وأن يكون في وضع يسمح له بالتصدي للمشاكل التي هي اما وراء عزوف بعض الفرنسيين عن المشاركة في الانتخابات أو تلك التي أعطت الحجج والشعبية للاحزاب المتطرفة مثل موضوع القوة الشرائية وسن التقاعد وموضوع المهاجرين وفرص العمل. وبشكل عام فإن مهمة الرئيس مكرون لن تكون سهلة، حيث إن الاحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة لها أجندات ليست بالضرورة متطابقة مع توجهات الرئيس ماكرون وان هذه الاحزاب تستند وفقًا لنتائج الانتخابات الأخيرة الى عدد كبير من أصوات الشعب الفرنسي. ولذلك فقد لا نستبعد أن يجد الرئيس ماكرون في أكثر من مناسبة نفسه في مأزق من شأنه اذا لم يفشل عمل حكومته فقد يشل من حركتها ويضعف من انجازاتها.

وهذا ما يمكن ان يحدث في حال لم يتمكن مكرون خلال الانتخابات التشريعية الشهر القادم من الحصول على أغلبية برلمانية. ففي هذه الحالة ووفقًا للدستور الفرنسي فإن عليه أن يختار رئيس وزراء من الاحزاب التي حصلت على الاغلبية البرلمانية والاحتمال في هذه الحالة أن يكون رئيس حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون هو الاوفر حظًا لتولي رئاسة الوزراء الامر الذي سيجعل من مهمة ماكرون أكثر صعوبة وأكثر تعقيدًا ان لم تكن مستحيلة. هذا على الصعيد الداخلي ولكن ايضا على الصعيد الخارجي فإن تصاعد نفوذ الاحزاب المتطرفة من خلال تمثيلها في المجالس التشريعية من شأنه كذلك أن يحد من سياسة ماكرون على الصعيد الاوروبي وعلى الصعيد العالمي. لذلك لاينبغي أن نستغرب ان وجدنا بعض التغيرات على سياسة فرنسا الخارجية نتيجة لهذه التطورات الانتخابية. الأهم من كل ذلك هو مستقبل السياسة الفرنسية داخليا وخارجيا في ظل هذا التطور المتصاعد للاحزاب المتطرفة. وفي الواقع فإن هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على فرنسا بل تنسحب ايضا على عدد ليس بالقليل من الدول الاوروبية. والمجموعة الاوروبية بدأت بالفعل تعاني من هذه الظاهرة حيث إن بعض أعضائها مثل المجر وبولندا لا تبدو بأن سياساتها متطابقة تماما مع بقية أعضاء المجموعة. هذا كما أن بقية الدول مثل ايطاليا وإسبانيا وحتى المانيا بدأت فيها نزعات الاحزاب المتطرفة في تزايد لافت. وبالتأكيد فإن هذه التطورات تطرح تسأولات عدة حول مستقبل الاوضاع في الدول الاوروبية وهل تستطيع الاستمرار في سياسة التكامل والتنسيق كما رسمها أوائل الرؤساء الاوروبيون مثل هلمت كول الالماني وفرنسوا ميتران الفرنسي أم أن الجيل الجديد من الشعوب الاوروبية سيكون له رأى آخر في مستقبل بلدانهم. وسواء تحدثنا عن فرنسا أو المانيا أو ايطاليا أو غيرها من الدول الاوروبية فإنها حسبما يبدو مقبلة على أوضاع سياسية جديدة تختلف وقد تتعارض مع الأنماط التقليدية للحكم الذي عهدته.

 هذه البلدان خلال العقدين أو الثلاثة عقود الماضية. ولابد للمجموعة الاوروبية وفقًا لذلك من الإعداد المبكر لهذه المرحلة وذلك بمراجعة سياساتها الحالية وجعلها تتجاوب أكثر مع طموحات وتطلعات شريحة أوسع من شعوب هذه المنطقة. أن حركة التذمر على المجموعة الاوروبية قد بدأت في الواقع منذ فترة ليست بالقصيرة بدءًا من انسحاب بريطانيا ومرورًا بالمواقف المنفردة لدى بعض دول المجموعة مثلما هو حاصل مع المجر وبولندا اضافة الى النزعة والعداء المتصاعد لدى الاحزاب السياسية الشعبوية في عدة دول مثل فرنسا والمانيا وإيطاليا ضد منظومة المجموعة الاوروبية. هل تستطيع فرنسا وأوروبا بشكل عام مواجهة هذا التحدى من خلال اجراء المراجعات والتعديلات اللازمة على قوانينها وتشريعاتها لكي تتمكن من استيعاب هذا السخط والتذمر المتنامي أم انها سوف تنتظر ساعة الحقيقة والتي تنفجر فيها الامور بشكل يفكك ويقسم بلدان المجموعة بين مؤيد ومعارض، الامر الذي من شأنه أن يضعف أكثر من وضع هذه المجموعة هذا اذا لم يؤدِ الى فشل مشروع التجمع الاوروبي والعودة الى نقطة البداية من حيث تكريس الحدود الجغرافية لكل دولة والتخلي عن العملة الموحدة اليورو واستبدالها بالعملات الوطنية الخاصة بكل دولة والمعمول بها قبل تبني اليورو في عام 1999.

قد يكون مثل هذا السيناريو مستبعدًا حاليًا لكن تطورات الاوضاع السياسية سواء في فرنسا أو في بقية دول المجموعة الاوروبية لا تبدو مريحة بالنسبة للترتيبات القائمة حاليًا ومن الضروري البحث عن صياغة جديدة لهذه الترتيبات بشكل يسمح باستيعاب النزعات والتململ المتزايد ويجنب بالتالي التجمع الاوروبي التصدع ومواجهة المصير المجهول. هل فرنسا وبقية الدول الاوروبية قادرة قبل فوات الأوان على كسب الرهان والتقدم برؤية جديدة لهذا التجمع يتفق وينسجم أكثر مع تطلعات غالبية شعوبها بأطيافه وتوجهاته السياسية المتعددة؟ هذا ما سيتضح خلال السنوات القليلة القادمة. 

 

*الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها