النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12180 السبت 13 أغسطس 2022 الموافق 15 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

العجز والإحباط بين الفرد والمجتمع

رابط مختصر
العدد 12073 الخميس 28 ابريل 2022 الموافق 27 رمضان 1443

  • المعادلة السلبية، وهي الأخطر والأكثر مأساوية، هي عجز وإحباط واستسلام.. بين العجز والاستسلام

 

ظروف الحياة وهي البيئة التي تنتج عن شبكة العلاقات بين الناس في المجتمع، بالنسبة للفرد وللجماعة، ليست سلسة ولا هي في موقع الرضى أمام جميع الحاجيات ناهيك عن الرغبات، والسلاسة والرضى درجات بين الايجابي والسلبي، ونقطة التوازن بين الايجابي والسلبي هي مؤشر الاستقرار النفسي بالنسبة للفرد، والاستقرار الاجتماعي بالنسبة للمجتمع. إذا مال المؤشر في اتجاه الايجابي كان الفرد راضيًا والمجتمع مرفهًا، واذا ما كان ميل المؤشر على الجانب السلبي فان مجسات عدم الرضى تتفاعل في نفس الفرد وإحساسه بالعجز امام واقع ينذر بالخطر على الذات، ومجسات التذمر تنشط في اوساط المجتمع ما يتسبب في اشعار النفسية الجماعية بالعجز امام واقع ينذر بالخطر... 

الفرد امام الخطر، خياره المواجهة او الهروب اي الاستسلام، وللاستسلام اشكال ومستويات، واقسى اشكال الاستسلام هو اليأس المطلق الذي يؤدي الى اقصى درجات اليأس وهو الانتحار، بينما السلوك الجمعي امام الخطر يأخذ منحى آخر، لأن الانتحار الجمعي امر مستحيل، ونستثني من هذه الاستحالة القليل من حالات الانتحار الجماعي لجماعات محاصرة لا امل لها للنجاة سوى الانتحار تفاديًا للتمثيل بهم من قبل العدو الذي يحاصرهم، وهذا بعض من سجلات التاريخ الذي يشهد على همجية الانسان وإن كان مدنيًا متحضرًا.. المجتمع امام الخطر، خياره كظم الغيض مع الصبر والترقب الى ان تكتمل مقومات العمل التي تمثل الفرصة الذهبية لقلب الواقع الخطر على عقبيه، ومن ثم الدخول في فوضى ردحًا من الزمن قبل ان تستقر الاوضاع الاجتماعية وتطمئن نفوس الافراد، ويعم الامن الاجتماعي وهكذا حال الانسان في المجتمع، تداول بين الاستقرار وعدم الاستقرار، مثل تعاقب النهار والليل، وتحول الفصول، فالانسان علي شاكلة امه الطبيعة، حاله من فصل الى فصل، واستحالة الاستقرار على فصل واحد. 

العجز واقع والمواجهة او الاستسلام قرار.. قد يكون الانسان عاجزًا امام معضلة او مسألة او حتى امام عدوٍ شرسٍ او أن حقه يتآكله ظلمٌ كل يوم ولا قدرة له على صون حقه، او أن عجزًا خَلْقيًّا يحد من قدراته على انجاز المهمات الضرورية لتأمين حياته.. النفس البشرية لها رياضيات استدلالية واستنباطية خاصة بشأن طبيعة الحالات التي تمر عليه والتي يمر عليها، وهذه الرياضيات تنشط بشكل واضح عندما يشعر الانسان بالعجز امام خطر داهم.. وعي بخطر اقوى من قدرته ومن ثم احساس بعجز امام هذه القوة القاهرة، وتراكم العجز الى الاحباط الذي مآله الاستسلام، او نقيض الاحباط ونقيض الاستسلام، وعندها يكون لكل حادث حديث وخاصة مع الانسان في تكتله الجمعي. 

المعادلة السلبية، وهي الاخطر والاكثر ماساوية، هي عجز واحباط واستسلام.. بين العجز والاستسلام يتفاعل الاحباط الى درجة الغليان، وعندما تصل درجة حرارة الغليان النقطة الحرجة يحدث الانفجار، ومرحلة الاحباط قد تطول زمنيًا وتكون في غالب الاحيان مخفية غير ملحوظة. أكثر حالات الانتحار، إن لم تكن كلها، تعقبها تعليقات تتسم بعدم التصديق والغرابة من ذوي المنتحر والقريبين منه؛ الكل يفتح فاه بالعجب المصحوب بالألم قائلاً: «هذا لا يصدق، لقد كان إنسانًا هادئًا والابتسامة لا تفارق وجهه وكان سلوكه طبيعيًا جدًا.. ما الذي دفعه الى الانتحار؟! الله أعلم بما في النفوس!!» 

دولة دخلت فجأة في فوضى عارمة بفعل تفجر المجتمع في ثورة شعبية تقلب الواقع رأسًا على عقب، بينما هذه الدولة كانت، حسب الظاهر، بالامس القريب دولة نموذجية من حيث الاستقرار وان التقارير الدولية كانت تشير الى هذا الاستقرار بالاشادة والاعجاب.. الاحساس بالعجز خطر كامن!!! 

العجز، وما يتبعه من استسلام، يختلف بين الفرد والجماعة.. عجز الفرد واحساسه بالاحباط قد يدفعه الى الاستسلام، والاستسلام انواع، واقصى انواع الاستسلام هو انهاء وجود الذات ذاتيًا اي الانتحار.. هذا بالنسبة للفرد. عجز الجماعة، على النقيض من عجز الفرد، يأخذ مسارًا آخر غير الاستسلام بعد الاحساس بالاحباط.. الاحباط الفردي لا يساوي ابدًا، بل مطلقًا، الاحباط عند المجتمع، اذ ان الاحباط عند الفرد قد يؤدي الى الانتحار، بينما الإحباط عند الجماعة قد يؤدي الى نوع آخر من الانتحار، وهو الانتحار الاجتماعي وليس الجمعي، أي نسف المجتمع على ذاته، والمعروف في علم السياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس بـ«الثورة».. وهذا ما يؤكده الفيلسوف البريطاني برتراند راسل في مقولته المشهورة: «الخوف الجماعي (من خطر داهم ومؤكد على مصير الجماعة) يعزز غريزة القطيع والقسوة تجاه أولئك الذين لا ينتمون إلى القطيع».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها