النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12132 الأحد 26 يونيو 2022 الموافق 27 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الحوار مع إيران (2)

رابط مختصر
العدد 12057 الثلاثاء 12 ابريل 2022 الموافق 11 رمضان 1443

يطول الحديث عن إيران.. الجارة المُسْلِمة التي شاءت الظروف أن تظل علاقاتها مع الدول العربية في توتر مستمر عبر الحقب التاريخية قبل الإسلام وبعد الإسلام، خصوصًا بعد أن تمكَّن العرب المسلمون القادمين من الصحراء من نشر الإسلام بين الشعب الإيراني وإنهاء الإمبراطورية الساسانية إلى الأبد في الفتح الإسلامي لفارس فتهاوت سياسيًا ودينيًا في معركة القادسية عام (636م)، ولم تتمكَّن من إقامة (دولة) إلا في فترتين من التاريخ، الأولى الدولة الفاطمية التي تأسست في المغرب الأدنى عام (909م) واتَّخذت المذهب الشيعي الإسماعيلي مذهبًا رسميًا لها وانتهت في مصر عام (1171م)، والجمهورية الإسلامية الإيرانية في (فبراير 1979م)، وهي أول دولة شيعية في منطقة الشرق الأوسط، بدأت معها المنطقة مرحلة جديدة لسياسة إيرانية تقوم على نشر المذهب الشيعي في أرجاء الوطن العربي خصوصًا في الدول الخليجية القريبة منها، وكان للبحرين نصيب الأسد في ذلك منذ نجاح الثورة الإيرانية. 

فقد عانت البحرين من محاولات عديدة ومتكرّرة لزعزعة أمنها واستقرارها، وبحكم عملي السابق كوكيل للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون بوزارة الخارجية في فترات مهمة من تاريخ مملكة البحرين وتاريخ الخليج عمومًا، فقد قمتُ مرارًا باستدعاء القائمين بأعمال السفارة الإيرانية الذين تعاقبوا على هذا المنصب؛ وكان ذلك يتم أحيانًا في أوقات متأخرة من الليل لتسليمهم مذكرات احتجاج وطلب تفسيرات حول التصرفات الإيرانية العدائية المستمرة ضد البحرين والتصريحات المستفزة والمعادية التي يدلي بها قادة النظام الإيراني وعدد كبير من رجال الدين وقادة الحرس الثوري المقربين من النظام، وهو أمر لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات بين الدول، إضافة إلى تصرفات دبلوماسيي السفارة الذي تمَّ اعتبار بعضهم دبلوماسيين غير مرغوب بهم في البحرين وعليهم مغادرة البلاد خلال يومين أو ثلاثة حتى تمَّ قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في (يناير 2016م) بعد اقتحام مبنيي السفارة والقنصلية السعوديتين هناك كردَّة فعل إيرانية مُفتعلة بعد إعدام المواطن السعودي الإرهابي نمر النمر ضمن مجموعة الإرهابين الـ(46) الذين تمَّ تنفيذ حكم القصاص بحقهم فجر (2 يناير 2016م). 

كما يشهد التاريخ بأن هناك إصرارًا إيرانيًا على الإضرار قدر الإمكان بالمملكة العربية السعودية والنيل من مكانتها الدولية والإقليمية لأسباب عديدة، فقد تعمَّدت إيران تسييس موسم الحج عن طريق التخطيط للحوادث الإرهابية والتخريبية وخلق الفوضى والاضطرابات بدفع الحجاج الإيرانيين لرفع الشعارات السياسية والدينية الطائفية وتحريضهم على مخالفة الأنظمة والقوانين وتعليمات السلامة التي تصدرها الجهات المختصة بتنظيم الحج واستغلال هذا الموسم الديني العظيم ليخدم مصالحها السياسية الخبيثة القائمة على أهداف الثورة الخمينية، إضافة إلى قيامها بتدبير الحوادث الإرهابية التي شهدتها السعودية وإثارة النعرات الطائفية في المدن والقرى ذات الأغلبية الشيعية. 

وقد فرَضت إيران مبدأ القوة في المنطقة وانقضَّت على الجزر الإماراتية الثلاث واحتلتها فور الانسحاب البريطاني من شرق السويس في (1971م)، ورفضت المبادرات الحكيمة والواعية لحل القضية بشكل سلمي بالتفاوض المباشر أو إحالتها لمحكمة العدل الدولية. 

كما لم تَسلَم دولة الكويت من العداء الإيراني، فقد تمَّ في (أغسطس 2015م) ضبط ترسانة ضخمة من الأسلحة المهربة من العراق تمَّ تخزينها منذ أعوام بشكل محكم في مزرعة ومنازل مملوكة لعناصر مرتبطة بخلية تابعة لحزب الله اللبناني المدعوم من إيران! 

وفي اليمن اتَّبعت إيران سياسة تحويل الشيعة الحوثيين من المذهب الزيدي إلى المذهب الاثنا عشري؛ لضمان ولائهم العقائدي والمذهبي لطهران، وحرصت على تقديم الدعم اللوجستي والمالي والعسكري الكامل لهم لتهديد أمن المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج العربي عمومًا، وتحقيق الأهداف الإيرانية بالتوسّع وبسط النفوذ. 

وبالرغم من حرص دول مجلس التعاون المستمر على إقامة علاقات طبيعية مع إيران تقوم على أسس حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، تعمل إيران في الاتجاه المعاكس تمامًا. 

وعند التطرق إلى أهمية تغيير إيران لسياساتها الخارجية المستمدة من الدستور الإيراني، فإن ذلك ليس بالأمر الهيّن؛ حيث إن الحرس الثوري هو المسيطر على مفاصل الحياة في إيران، كما أن هذا الأمر يعتمد على عوامل عدّة يمكن إيجازها في الآتي: 

أولاً: تؤكِّد مبادئ ثورة الخميني على التمدّد الشيعي الذي ليس له حدود، خاصة في دول الجوار الإقليمي والدول العربية بشكل خاص لتثبيت نظام ولاية الفقيه كنظام إقليمي مُعترف به من قبل الدول الكبرى والمجتمع الدولي. 

ثانيًا: ينصّ الدستور الإيراني على أن: جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة لا يتحملان فقط مسؤولية حفظ وحراسة الحدود، وإنما يتكفلان أيضًا بحمل رسالة عقائدية، أي الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل توسيع حاكمية قانون الله في أرجاء العالم! 

ثالثًا: يرتبط نظام ولاية الفقيه ارتباطًا عضويًا بجماعة الإخوان المسلمين في مصر التي راهنت في استراتيجيتها الأمنيّة على النهج والمبادئ الإخوانية القريبة فكرًا وأهدافًا من نظام ولاية الفقيه كأساس لاستقرارها السياسي، وتأكيد سيطرتها على النصف الشرقي من الوطن العربي، وقد منحها هذا الارتباط ثقة الوصول إلى أهدافها بالتعاون مع قوى عربية أخرى ترى بأن لها مكانة دولية كوسيط ومموّل موثوق به لتأدية دور مهم وأساسي لخطة التغيير إبّان موجة الربيع العربي؛ نظرًا لتوصّل الولايات المتحدة إلى قناعة منح تنظيم الإخوان المسلمين فرصة في الحكم بعد تجارب سابقة فاشلة. 

رابعًا: وقفت إيران بقوة مع القوى السياسية الإسلامية المعارضة مثل حركة حماس والشباب العربي في البلدان التي تمرّ بمراحل انتقالية، وقدَّمت الدعم المالي والسياسي والإعلامي الإقليمي في محاولة منها لإنجاح الاضطرابات الطائفية والسياسية بالتنسيق والتعاون مع قوى أخرى باستخدام شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وتمويل الحرب الدائرة في عدد منها كاليمن وسوريا، والعراق، ولبنان، وغزة. 

ونظرًا لاستمرار إيران في سياستها التخريبية وخططها التدميرية، فمن غير الممكن الصمت تجاه تصرفاتها غير المسؤولة، خصوصًا مع عدم جدوى قطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية معها؛ ولهذا فإن الأمر يتطلَّب إعادة نظر وتقييم باتباع سياسة (الاحتواء) ضمن الإطار الجماعي الخليجي، كأن يتمّ اتفاق خليجي مبدئي على فتح حوار مع إيران كأحد أساليب التفاهم حول القضايا والمشاكل العالقة، شريطةَ الالتزام بعدّة أمور لتأكيد حُسن النوايا، وهي: 

الأول: التأكيد على مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية وحُسن الجوار وعدم استخدام القوة. 

الثاني: حل قضية احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث إما بالمفاوضات الثنائية أو التوجّه إلى محكمة العدل الدولية. 

الثالث: وقف الخطط الخبيثة الرامية للزحف وحصار الجزيرة العربية من الجنوب لتحقيق حلم (الهلال الشيعي). 

تعتبر تلك النقاط أركان أساسية لفتح الأبواب نحو إقامة علاقات صداقة طبيعية بين إيران ودول الخليج، تقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة والعمل على حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة بما يساعد على حرية التنقل للأفراد والجماعات من الجانبين وحرية التبادل التجاري وتبادل المنافع المشتركة التي تنصبّ في التنمية الشاملة وبناء الإنسان الإيراني الحُر الذي يستحق أن يكون له دور في بناء بلاده دون خوف. 

ولو فكَّرت القيادة الإيرانية مليًا قبل أن تعادي السعودية وعددًا من دول مجلس التعاون وقبل أن تحاول شقّ الصف الخليجي لوجدت الحقيقة ماثلة أمامها، وهي أن نجاح الأمم يقوم على تعزيز علاقاتها الودّية مع جيرانها وبناء جسور الثقة معهم. 

فمهما حاولت القيادة الإيرانية العبث بالنار وبالتاريخ ومهما حاولت بعض قيادتها التهديد والوعيد والتآمر؛ فإن علاقاتها مع دول الخليج العربي وخاصة السعودية لابد أن تظل قائمة على التاريخ الإسلامي المعتدل والمصالح المشتركة. 

لذلك فإن مجرد إعلان إيران عن موافقتها على شروط الحوار الخليجي معها، ستُفتح أبواب حوار سياسي خليجي إيراني أعمّ وأشمل مبني على أرضية صلبة وجسور قوية من الثقة بين الجانبين، مما سوف يساعد على فتح الأسواق الخليجية للمنتجات الإيرانية ودخول الاستثمارات الخليجية إلى إيران وما يتبع ذلك من انعكاسات إيجابية مباشرة على الانتعاش الاقتصادي والتجاري في إيران. 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها