النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

سياسة أمريكا ونموذج Apple

رابط مختصر
العدد 12052 الخميس 7 ابريل 2022 الموافق 6 رمضان 1443

التشابه بين الإطار الشامل للسياسة الأمريكية ونموذج شركة أبل يكاد يكون متطابقا، فأهم ما تملكه وتقدمه شركة أبل ليس هواتف iPhone لوحدها ولا أجهزة iPad، إنما هو نظام وبيئة خدماتها المتكاملة مع بعضها بعضا ecosystem، ابتداءً من Apple store متجر أبل للتطبيقات واجهزتها الالكترونية التكاملية من هواتف وأجهزة لوحية وأجهزة كمبيوتر وتطبيقات الموسيقى iTunes ونظام التخزين السحابي Apple cloud وساعات Apple Watch وصولًا لنظام الدفع المالي Apple Pay، فكل هذه المنتجات والخدمات المترابطة والمتكاملة (integrated products) تعمل بشكل حصري مع بعضها البعض، فلا يمكن ان يستخدمها إلا من يملك هذه الأجهزة، ولا يستطيع من يملك هذه الأجهزة ان يدمجها مع منتجات لشركات منافسة اخرى تعمل وفق انظمة اخرى، مثل نظام اندرويد المستخدم من قبل اغلب الشركات المنافسة لأبل، فشركة أبل تدعي انها تقدم تجربة مستخدم أفضل عندما يقتني اجهزتها المتعددة، وهذا ما يصعب على منافسيها تقديمه، ولذلك يحاولون ان يجعلوا خدماتهم ومنتجاتهم متوافقة مع انظمة الشركات الاخرى وعدم اشتراطهم التعامل معهم فقط، إنما تبقى تجربة أبل التكاملية انجح بسبب التفوق التكنولوجي والجودة العالية وريادتهم للابتكار.

كذلك تفعل الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تقدم لمن يتعامل معها، سواء كانوا شركاء استراتيجيين أو حلفاء، المنتجات والخدمات المتكاملة ابتداءً من انظمة الحماية الدفاعية والعسكرية والامنية والتعاون الاستخباراتي واتفاقيات التجارة الحرة والتبادل التجاري والمنتجات الدقيقة والتكنولوجيا المتطورة، والتعامل ضمن النظام المالي العالمي بزعامتها وادواتها مثل السويفت والدولار. في مقابل عدم تعامل هذه الدول مع انظمة منافسة لها، فلا تسمح لحلفائها أو شركائها باقتناء انظمة دفاعية أو عسكرية من دول منافسة لها، مثلما فعلت تركيا عندما اقتنت منظمومة صواريخ S400 الروسية، ما دفع الأمريكان لممارسة ضغوط علنية غير مسبوقة لدفع تركيا للتراجع، أو عندما اقتنت السعودية منظمومة صواريخ دفاعية من الصين، فأمريكا تشترط عندما تبيع (لا تقدمها مجانا) للدول الشريكة أو الحليفة أن لا يتعاملوا مع دول منافسة لشراء منتجات أو خدمات خارج النظام البيئي الأمريكي ecosystem. 

وقد يكون هذا مفهوما، بل ممكن ان يكون عنصر جذب لأمريكا وللدول التي تعمل ضمن النظام التكاملي الأمريكي عندما يكون الربح مشتركا (win- win سيناريو)، وبالفعل استفادت كثير من الدول التي كانت ضمن المحور الأمريكي أيام الحرب الباردة من كل ما قدمته الولايات المتحدة الأمريكية لها، ومثلما تعد شركة أبل بتقديم تجربة مستخدم افضل عندما يقتنون منتجاتها وخدماتها دون غيرها، كذلك وعدت أمريكا وكانت الفائدة مشتركة بغض النظر عمن دفع أكثر ومن استفاد أكثر على حساب من.

إنما الاشكالية الخطيرة اليوم هي عندما اعتقدت بعض الادارات الأمريكية المتعاقبة، وبالذات ادارة بايدن الحالية، أن خيارات الدول الحليفة والشريكة معدومة وهم مجبرون على التعامل مع أمريكا فقط ووفق المصالح الأمريكية لا وفق المصالح والربح المشترك، بل تمادت هذه الإدارة بأن تضر بمصالح الدول الحليفة والشريكة لدرجة تهدد استقرارهم وفي بعض الحالات تعرضهم لأخطار وجودية، ومع ذلك تتصور وتطالب هذه الدول بأن يستمروا بالتعامل فقط ضمن النظام التكاملي (الشمولي) الأمريكي وخدمة لمصالحها دون مراعاة لمصالحهم أو مخاوفهم.

فها هي تتفاوض مع ايران وتقدم لها التنازلات برغم كل الأضرار الفعلية لا المتوقعة التي تطال دول الخليج العربي، ولا تخجل من مطالبة دول الخليج العربي بالتدخل ودعم مصالح أمريكا في اسعار وامن الطاقة والازمة الاوكرانية التي هي نتيجة لقرارات وسياسات وتصرفات أمريكا وردة فعل روسيا، على حساب مصالح دول الخليج وبما يضرهم. 

فالإدارة الأمريكية الحالية ترتكب خطأ استراتيجيا كبيرا قد يعرض النظام العالمي كله للخطر وقد يسرع من تحول هذا النظام الذي استمر لأكثر من 40 سنة على شكله الحالي، والذي خدم مصالح أمريكا أكثر من اي دولة اخرى. على اعتبار ان حلفاءها وشركاءها لا يملكون خيارا آخر حتى لو تعرضوا لخطر وجودي، وأيضا بافتراض أنها عندما تعرض هذه الدول لخطر وجودي من طرف ثالث (إيران في الحالة الخليجية وروسيا في الحالة الاوروبية) فهم سيهرولون لأمريكا يرتمون في حضنها لكي تحميهم من هذا الخطر الوجودي، معتقدة أنها تبقيهم تحت السيطرة وبحاجتها (holding them in check) كبديل عن سياسة الاحتواء (containment policy) التي استفادت منها أمريكا وعززت من هيمنتها للعالم عندما كانت الاستقطابات والربح المشترك متوازيان. 

فحتى لو رضخت اوروبا اليوم بسبب استفزاز وتهديد ودفع الدب الروسي للهجوم وإجبار اوروبا للتخلي عن الغاز الروسي بعد تعريضهم لمعادلة اما مواجهة روسيا عدوانية أو امن الطاقة، فقبلت اوروبا أن تكون أكثر حاجة لأمريكا عبر حصرها بشكل اكبر في النظام التكاملي الأمريكي لأن اوروبا كانت تعتمد على أمريكا في الحماية العسكرية والتعاون الاستخباراتي والسياسي، لكنها كانت خارج النظام الأمريكي في موضوع الطاقة بسبب اعتمادها على روسيا، وكذلك حاجتها للصين في الجانب التجاري والصناعي وحتى تكنولوجيا الجيل الخامس 5G. أما اليوم فاوروبا مستعدة لاستيراد الغاز الأمريكي المسال بكلفة أعلى بكثير من الغاز الروسي وتحمل كلفة إضافية لبناء بنية تحتية لاستيراد واستعمال الغاز المسال لم تكن تحتاجها بسبب سهولة وصول الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب الموجودة حاليا، وسعره الإجمالي الأقل بكثير من غيره.

إنما على المدى المتوسط فهذه الأخطاء الاستراتيجية لأمريكا تدفع الاوروبيين للحديث عن إنشاء قوة عسكرية اوروبية لتقلل اعتمادهم على أمريكا، وتتحدث اوروبا عن التوسع في علاقاتها الاستراتيجية والدفاع عن مصالحها بشكل مستقل عن أمريكا، حتى وان قيل هذا الكلام بصوت خافت ولكنه يعبر عن اهتزاز ثقتهم بالحليف الأمريكي الذي استبدل سياسة الربح المشترك بسياسة إخضاع الجميع للنظام التكاملي (الشمولي) الأمريكي. وكذلك الحال بالنسبة لدول الخليج العربي التي اصبحت اكثر استقلالية عن المصالح الأمريكية واكثر توافقًا مع مصالحها الاقتصادية والامنية والاستراتيجية، سواء كان من خلال موقفها من موضوع السياسة النفطية أو توسيع دائرة التحالفات كما شاهدنا مؤخرا في قمة النقب. 

فعندما لا يكون الربح مشتركا وتكون الاضرار على طرف دون الآخر، فوقتها استبدال نظام «أبل» بنظام «أندرويد» سيكون خيارا مطروحا بشكل جدي، حتى وان كان اقل جودة أو لم يكن بذات التطور والابتكار، لكنه سيكون اكثر صونا لمصالحنا ولن يعرض وجودنا للخطر. فهل ستعيد أمريكا حسابتها وتتبنى مبادئ المصالح المشتركة كما فعلت عندما طبقت سياسة الاحتواء؟ إن فعلت، سوف تستفيد أمريكا كما سنستفيد معها، وإن لم تفعل فوقتها لن نخاطر بوجودنا لمصالح غيرنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها