النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12180 السبت 13 أغسطس 2022 الموافق 15 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

هل أوكرانيا هي كعب أخيل الأمريكي؟

رابط مختصر
العدد 12045 الخميس 31 مارس 2022 الموافق 28 شعبان 1443

الوجود متقلب ومتغير لا يستقر على شكل ولا على حال. هذا الوجود، من التوالد الطبيعي او من الابتكار البشري، محكوم بمعادلة واحدة هي الدورة الحياتية، وهذه الدورة الحياتية لا تعني ثنائي الوجود والعدم، ولكن التوالي بين بداية ونهاية، ومن ثم من النهاية تتولد بداية جديدة، وهكذا طالما إن الوجود يجدد نفسه، وليس في وارد الفكر ولا التوقعات إن الوجود في كليته الكونية آيل الى الأفول.. هذه هي معادلة الدورة الحياتية مع الوجود المتجدد. الانسان، بين الجهل وحماقة الطموح او طموح الحماقة، لم يعي جيدًا هذه المعادلة، فظن انه بإمكانه أن يكون على شاكلة الآلهة خالدًا على الارض. الاساطير القديمة تعلمنا الكثير عن هذا الطموح عند الانسان، وخاصة الانسان الذي يتربع على عرش المُلْكِ او الثروة او الجاه، او حتى انسان فرد متواضع الحال منغلق على الذات. الاساطير اليونانية (الميثولوجيا الاغريقية) تتحدث عن شخصية ارستقراطية اسم صاحبها أخيل. كان من عادة الناس في ذاك الزمان أنه عندما يولد لهم ولد يأخذونه الى ساحر يعطي نبوءة عن حياة الوليد. أم أخيل أخذت ولدها الى ساحر تنبأ له بأنه سوف يموت في معركة، فأرادت الأم أن تلغي النبوءة بتغطيس ابنها في نهر معروف عنه أن من يغطس فيه يكتسب قوة لا تقهر، ولأن الطبيعة تحرم على الانسان أن يكتمل بكامل الكمال، فإن أخيل المسكين، غطسته أمه في ماء النهر ممسكة بكعب او عقب قدمه، وهو الجزء الذي لم يلامسه ماء النهر، فصار كعب أخيل هو نقطة الضعف فيه والذي يمكن من خلاله أن يصاب وتكون نهايته التي أرعبت أمه، في الوقت الذي كان فيه أخيل قد تسلح معتقدًا بقهر النبوءة، واكتسب ثقة مفرطة في النفس وارتفع سقف طموحه الى عرش السماء. صدق أخيل الموهوم نفسه، فرأى مدى الزمان وسعة الارض ملك قوته.. لم يعبأ لا بملك ولا بقوة ولا بمكانة دولة ولا أحد، لا بالانسان ولا بالانسانية، فهو القوة المطلقة التي لا تقهر.. والتاريخ الانساني، الانساني بالذات، يتضمن دروسًا تغطي أنشطة الانسان كلها، الفكرية والعملية، ومن أهم هذه الدروس التي لا يريد الانسان ان يهضمها وتأبى نفسه الإصغاء اليها هو علاقة القوة بروح الفكر. عندما يشعر الانسان بأنه يمتلك قوة جبارة لا تضاهيها قوة أخرى وهي بمكانة القوة التي لا تقهر، عندها تتلاشى الروح عن الفكر ويستسلم الفكر لإرادة القوة وينفذ رغباتها على مدى أهوائها. هذه هي الحال التي كان يعيشها أخيل ومن هم على شاكلة أخيل على مر التاريخ، من دول وإمبراطوريات وحتى أفراد. الفكر المجرد من الروح والمستسلم لاهواء القوة وأوهامها، يشير على سيدها القوة أن تحرق أغصان السلام وتخوض أتون الحروب، لأن القوة المجردة ما صارت ولا جاءت إلا من أجل الحروب، وما الحرب إلا وسيلة لإثبات حق القوة في التربع على مصير الناس ومقدراتهم وخيراتهم.. فعندما تغزوقوةٌ أرضًا ليست لها وليست منها، فهي ترى في تلك الارض حقًا لإرادة قوتها، وإن البشر فيها مجرد كائنات لا قيمة لها او هي في أحسن الأحوال عبيد لها.. هذا هو المنطق الذي يجود به فكر يأتمر لأهواء القوة، والقوة كتلة نارية من أوهام تحرق أخضر الروح واليابس من الجذور، إنها جهنم الانسان للانسان على الارض. نعود الى دروس التاريخ، فإنها تعلمنا، رغم إننا لا نصغي اليها، إن في ثنايا كل قوة توجد جرثومة كامنة في موقع يستحيل على مالك القوة أن يشعر بوجودها، مثل كعب أخيل الذي كان بمثابة تلك الجرثومة التي ترصد الزمان والمكان والعنصر المساعد، داخليًا او خارجيًا، للنيل من صاحب القوة.. أخيل المتشبه بالآلهة بوهم إيمانه أنه يمتلك القوة التي لا تقهر، ولكنه في واقع الحال كان مسكينًا وضحية أوهامه، فقد عرف عدوه نقطة ضعفه، وهذه المعرفة بنقطة الضعف كانت خاتمة أخيل الذي أصابه سهم سام أطلقه عدوه على كعب قدمه، وكانت خاتمة حروب أخيل ونهاية أخيل.

معادلة الدورة الحياتية لا يمكن التهرب منها كما أرادت أم أخيل أن تتهرب من النبوءة المرعبة المفزعة، فالمعادلة فاعلة، والنهاية آتية لا محال إن آجلًا او عاجلًا، مهما تحصن الانسان وباية قوة شاء.. وكل نهاية تحمل في رحمها ولادة حياة جديدة. بعد أربع مائة عام من هيمنة الأخيل الامريكي على قارة بكاملها وإبادة شعوب فيها، ومن بعد فتح أبواب الحروب ضد الشعوب والأمم على كامل الكرة الارضية، فهل جاء الموعد على أخيل هذا العصر ؟!! وأن جواد الكاوبوي منفلت عن عقال العقل الى مصير كبوته!! لكل جواد كبوة، ولكل أخيل كعب مميت.. فهل أوكرانيا هي كعب أخيل الامريكي؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها