النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الإقصاء والاستعلاء.. «بوستات» على الهواء

رابط مختصر
العدد 12044 الأربعاء 30 مارس 2022 الموافق 27 شعبان 1443

لم يكن تحرّشًا على هاتف ذكي، أو تنطعًا على موقع إلكتروني، لكنه المتاح الذي لا يقبل بالديوك عندما تصيح مع طلوع الصباح، وهي الجراح التي لا تقبل الآخر، ولا تعترف به، ولا تحاكيه، حيث مخاطبته تكشف، ومصارحته تؤلم، والخوض في عوالمه يغضب غير المؤهلين.

«البعض» يستخدم «السوشيال ميديا» منشدًا سيطرة على الهواء مباشرة، تلبية من المقربين، وإقصاء للمتباعدين، تجريح للمنافسين، وتشريح للجثث الهامدة.

«البعض» يرى في «بوستاته» قرآنًا، وفي استحلال الحرمات حلالاً، وفي العدوان على المختلف شريعة وانتصارًا.

«البعض» يكتب من أجل التحشيد حول فكرة، ولو كان الجنون «مشفاها»، ومن أجل الالتحام مع عقيدة ولو كانت قبلتها معاكسة، ثم بهدف التخفي في شعار ولو كان مغزاه مشاكسة.

«البعض» الذين ينتمون إلى فصيل معارض، لا يقبلون المعارضة، بل لا يقبلون ظهور الآخر بثيابه المطرزة بالفكر المختلف، والشعار الموازي، لا يعترفون أن لدى البعض الآخر منطقًا، علمًا، هوايات، إبداعات، إرهاصات، صداقات، فيرمي بغير رامٍ، ويقذف من دون قاذف، ويقيم الحد ويعلن الترهيب الفكري من أجل الإرهاب الفكري. 

هكذا يمارس بعض المثقفين أدوارهم المشبوهة، يستحلون لأنفسهم التفاهات التي لا تهم أحدًا، ولذويهم المهاترات التي لا يستفيد منها أحدًا، ولرفقاء دروبهم وندماء تجمعاتهم كل ما لذ وطاب، على طريق حلال عليهم، حرام على سواهم.

من هنا يعتقد «البعض» أنه امتلك «الفيس» بأرضه وما عليها، وأنه استحوذ على حقوق «مارك زوكربيرغ» من دون أن يعلم الرجل الإلكتروني الشقي أن هناك من ينافسه على ملكية الفضاء غير الرحيم.

لا يطيق فكرًا آخر، بوستًا آخر، فكرة أخرى، تجمعًا آخر، يضرب بيد من حديد متخفيًا في رمزية «البوست»، وفي ديماجوجية الكلمات، وفي هامشية المحتوى.

يبيح لنفسه أن يشغل الفضاء الإلكتروني بما لا يهم، وعندما يتواجه «المُستعلي» مع «المُستعلى عليه» يفقد الأول توازنه، يخرج عن أدب الحديث، وعدم اللباقة عندما يواجه بالرفض، وعن المعقول واللامعقول حين يصطدم بحقائق دامغة وبمنطق مفاده أن الفضاء الإلكتروني ليس ملكًا لأحد، وهو ملكية مَشاع للجميع، للذين يجدون ما يتفقون، وللذين لا يجدون ما يتفقون، للذين يحرقهم الشوق إلى العدل، والذين يؤرقهم الخوف من العدل، إنهم المعذبون في الأرض، والحالمون بحياة أفضل، وأنهم أحفاد طه حسين عندما كتب هذه الكلمات متجليًا أو متجنيًا، أو متفاهمًا مع الذين ضاعت حقوقهم هباءً، مع الذين صاغوا لأنفسهم مستقبل آخر بعيدًا عن حراس الإثم والعدوان، ثم مع الذين ارتأوا أن بلاد الله واسعة، وأن الهجرة إليها عبادة بقميص العدة والعتاد، وشهادة لا ينطق بها سوى العالمين بأنه لم يكن في الإمكان أفضل مما كان، رغم ذلك لم يترك «البعض» بعضنا الآخر في حالهم، تجاهلوهم، حاربوهم، ضاقوا ذرعًا بهم، وتحايلوا حتى على الفضاء الإلكتروني، خسروا ضدهم، ولم يحشدوا عليهم، صارعوهم في حلبة لم تعد صالحة للصراع أصلاً، وتمنوا لو لم يلتقوا بهم في هذا الفضاء الحر اللعين بعد أن تخلصوا منهم، واغتالوهم معنويًا، وحاربوهم في أرزاقهم عندما كان العود غضًا طريًا، بريئًا وفيًا، مسالمًا عفويًا.

لقد ظن «البعض» أن «البعض الآخر»، سيذهب بلا عودة، لكن «السوشيال ميديا» أعادتهم، وكان البعض يظن أن البعض الآخر سوف يدفن حيًا في بلاد الله خلق الله، لكن بلاد الله خلق الله أبت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة من دون أن تقول كلمة حق لا يُراد بها باطل، وأن بلاد الله خلق الله رفضت أن تكون اليد الطولى للبعض على حساب البعض الآخر، وأن يكون النصر المبين لفئة قليلة كان من المستحيل أن تهزم فئة كثيرة هذه المرة، وأن تصبح الفرصة مواتية رغم ضياعها لعقود بعيدة من الزمان تحت أقدام «عبث الأقدار».

طوبى للذين صبروا، والذين عادوا مدججين بالأمل المستحيل، ولا عزاء للذين تهجموا وتهكموا، وابتدعوا وردوا على أعقابهم «ولو كره الظالمون».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها