النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12230 الأحد 2 أكتوبر 2022 الموافق 6 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:51PM
  • المغرب
    5:23PM
  • العشاء
    4:11PM

كتاب الايام

متطوّع حرب!

رابط مختصر
العدد 12038 الخميس 24 مارس 2022 الموافق 21 شعبان 1443

 سبق أن كتبتُ في مقال سابق في بداية الصراع الروسي الأوكراني أنّه: «من النوادر أن تكون هناك أزمة عالميّة لا دخل للعرب والمسلمين بها»، وأكّدت على ذلك بنصيحة لكلّ عربيّ حينَ قلتُ: «عزيزي خُذْ نَفَسًا عميقا وارتشف كوبا من الماء البارد، ثم حاول أن تهدأ! فليس مطلوبا منك أن تحدّد موقفك في كل نازلة! آن الأوان أن ترتاح قليلا على مدرّجات المتفرّجين وتتأمّل مداولة الأيام». لكن في النافخات زمرا... فبعض الحروب إذا لم يدخلها بعض شبابنا العرب والمسلم من الباب دخلوها من الشباك.. وهذه المرّة تحت مسمّى «متطوّع حرب»! 

فقد أعلن الكرملين أنه سيُسمح للمقاتلين من سوريا ودول الشرق الأوسط والدول الحليفة بالقتال إلى جانب روسيا في أوكرانيا، بعدما دعم الرئيس فلاديمير بوتين خطة إرسال مقاتلين متطوّعين للانخراط في الحرب. وكانت أوكرانيا قد سبقته بتشكيل كتائب من متطوّعين أجانب أو كما سمّاه الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي «الفيلق الدولي» للانخراط في صفوف قوّاتها المسلّحة للقتال ضدّ القوات الروسية على أراضيها، وتشكّلت في مختلف أنحاء أوروبا وأمريكا ظاهرة «التطوع» للانخراط في مواجهة الجيش الروسي، مع ما يشبه التسامح من الحكومات، إذا لم يكن تشجيعاً مبطناً.

وفعلا تشكّلت وحدات معنيّة باستقبال وافدين أجانب إلى أوكرانيا أو روسيا، ويجري تسهيل دخولهم وتدريبهم وإعدادهم وقودا لحرب الشوارع المنتظرة، وتتبادل وكالات الأنباء أخبارا عن أعداد مهولة للمتطوعين مع هذا الجانب أو ذاك تصل إلى عشرات الآلاف من دول عديدة تنتمي إلى الاتحاد السوفياتي سابقا أو من دول أوروبية، وطبعا بحضور ملحوظ للمقاتلين العرب ولا سيما من سوريا وغيرها لأسباب عديدة.

لكن هل يوجد في المعجم العسكري (متطوعو حروب)؟ وما خطورة هذا التطوع القتالي؟وما مصير هؤلاء المقاتلين؟ 

لا يوجد شيء اسمه التطوّع للقتال في حرب خارج حدود بلدٍ ما؛ فالتطوّع للقتال يكون داخل الوطن من قبل المواطنين غير المسجلين في وزارة الدفاع بوصفهم من القوات المسلحة المباشرة لمهامّها أو من جيش الاحتياط.. فَغير هؤلاء يمكنهم أن يتطوّعوا للدفاع عن بلدهم. كما يمكن للجيوش أن تشارك في حروب خارج أراضيها في إطار معاهدات واتفاقيات تعاون عسكري مشروع بين الدول بحكم القانون الدولي. لذا؛ فإنّ التسمية الدقيقة لهؤلاء المقاتلين المتطوعين أفرادا أو جماعات هي: «مرتزقة حرب» لأنهم يقاتلون بمقابل مادي أو معنوي كالحصول على جنسية ما أو غير ذلك من وجوه المكافأة. 

ولا تكمن خطورة التطوع القتالي على هؤلاء المتطوعين في كون العديد منهم، ربما، لم يتلقّ تدريبا قتاليا كافيا لخوض هكذا معارك، أو لأنهم لا يتقنون اللغة الأوكرانية أو الروسية، وإنّما الخطورة كلّ الخطورة في كونهم يقاتلون في بلد ليس لهم فيه صديق ولا أهل ولا قريب، وهو ما يجعلهم أكثر حماسًا للقتال، بل قد يحوّلهم إلى آلات بشرية تبحث عن الإثارة أو ببساطة تستمتع بالقتال وقد يُشجّعهم ذلك على ارتكاب فظائع دون خوف من الانتقام.

أمّا عن مصيرهم بعد الحرب أمواتا أوأحياء فحدّث ولا حرج؛ فإن كانوا أمواتا، فهل سيكتبون في هذا البلد أو ذاك «شهداء»، أو هل سيدفنون كما يدفن الجنود الشرفاء؟ أو هل سترسل جثامينهم في صناديق إلى بلدانهم وتوضع عليها نياشين الشرف وأوسمة البطولة؟؟ 

وإن كانوا أحياء فهل سيصنّفون في بلدانهم في عداد «الإرهابيّين» غير المغضوب عليهم؟ أم أنهم سيتعرضون إلى المحاكمة القانونية كسابقيهم الذين ذهبوا للقتال ضد داعش؟ أم يا ترى ستنظر الأجهزة الأمنية الأوروبية، التي تتابع ما يحدث بشكل دقيق، إلى هؤلاء المتطوعين /‏ المرتزقة، لا سيما من كانوا من أصول عربية أومسلمة، بعين الرضا وتتركهم في حال سبيلهم بعد انتهاء الحرب؟ أم أنّها سترصد تحرّكاتهم وتتوقّى انضمامهم إلى تنظيمات متشدّدة بشتى السّبل الأمنيّة الممكنة؟

 في انتظار إجابات الواقع القريب عن هذه الأسئلة، تطفو على السطح مفارقة ليست بالعجيبة فها هي أوروبا راعية السلام والديمقراطية بلد التحضّر والإنسانية تصدّر آلاف المتطوّعين /‏ المرتزقة لإذكاء جذوة الحروب بدل إرسال رسل السلام لإيقاف هذه الحرب المدمّرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها