النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12135 الأربعاء 29 يونيو 2022 الموافق 30 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

هل كان فن الزار سيكودراما البحرين الشعبية؟

رابط مختصر
العدد 12036 الثلاثاء 22 مارس 2022 الموافق 19 شعبان 1443

وكما لو أنني أسير للطقوس، فإن لم تتسع الأرض لها في مدينة الرفاع الشرقي التي أقطن فيها، والتي عايشت فيها طقوس المولد النبوي ووداع رمضان وليلة كسوف القمر، فإنها تجذبني نحوها في مدينة أخرى.

هكذا حدث معي ذات صباح ستيني يعتزم فيه أهل الحي قضاء عطلتهم الصيفية في أحد بساتين المحرق المعروفة والمشهورة التي يقصدها أهل البحرين من كل صوب وحدب للتمتع بالسباحة في مياهها الجوفية الباردة الرقراقة، والتي كان يطلق عليها (عين التينة) نسبة لكثرة أشجار التين في بستانها، وتميز نكهته وطعمه عن باقي ثمار الأشجار والنخيل الكثيفة المنتشرة في كل أنحائه.

في هذا الصباح الباكر تقاطرت النسوة وأطفالهن من كل جهات الحي وهن يحملن معهن بمساعدة أزواجهن وأبنائهم اليافعين أواني الطبخ والصحون الكبيرة المستديرة المعدنية ومعدات الطبخ من سكاكين وملاعق والرز والتوابل واللحوم والدجاج والخضرة والفواكه، والقناني البلاستيكية الكبيرة المملوءة بالماء، وقناني البيبسي كولا والفانتا والسينالكو الأحمر، والثلج لتبريد هذه الزجاجات والماء، تقاطرن ليستقرن هن وأطفالهن في الباص التقليدي القديم بعد أن يحجزن مساحة خاصة لمعدات الرحلة (الكشته)، وكنا نطلق عليه آنذاك (البست) أو (جنكل باص)، وكانت غرفته الخشبية أو المعدنية الكبيرة المستطيلة أشبه بالمجلس أو الصالون، إذ يتقابل راكبوه وجهًا لوجه، تيسيرًا للحوار مع بعضهم البعض، والغناء والاستمتاع بالوقت طوال الطريق وكما لو أنهم في مجالسهم أو في بيوتهم تمامًا.

وبعد أن اكتمل عدد المشاركين في هذه (الكشته) التي غالبًا ما يكون تمويلها مشتركا بـ(الحطّية) بين كل نسوة أهل الحي اللواتي ينظمن في الغالب مثل هذه الرحلات (الكشتات)، أطلق (أحمد الحجي)، وهو أقدم سائق باص في الرفاع الشرقي، فرامل باصه نحو الطرق المؤدية لبستان (عين التينة)، وانطلقت معها زغاريد الفرح والأغاني، وتحولت كل الأواني إلى طبول ودفوف وإيقاعات ترافق هذه الأغاني المصحوبة بالضحك والمزاح، والتي غالبًا ما تبدأ بتحية لسائق الباص كي يسلك دربه مرتاحًا ودون قلق، ومن بين هذه التحايا أو الأهازيج التي أذكرها حتى يومنا هذا (درويلنا جنه ورد.. عساه يوصلنا ويرد)، و(الدرويل) هو السائق، و(جنه) تعني كأنه، وما هي إلا ساعة تقريبًا حتى يعبر الباص جسر المحرق ونكون بعد دقائق في قلب البستان. 

في هذا البستان تبدأ بوصول الباص رحلة المتعة والسعادة وممارسة دور السلاحف والضفادع في عينه الباردة الرقراقة، التي نكتشف بأنها متاحة لأهالي وأبناء أحياء أخرى من مدن وقرى مختلفة في البحرين، والذين معهم تتكون علاقات وصداقات تصل أحيانا إلى المصاهرة بين بعض العائلات، ولم يخطئ من قال يوما: (الديرة اصغيرة)، فكما لو أن البحرين كلها اختزلت في هذا البستان. 

في هذا البستان تنتشر العرشان، ومفردها (عريش)، والتي فيها تحفظ معدات الرحلة، كما يستريح فيها أو يغفو قليلاً بعض النسوة في الغالب.

هكذا بدت لي أغلب العرشان المنتشرة في البستان، ولم أكن أتخيل أو يدر في بالي أن البعض يستغلها لأمور أخرى.

أذكر ونحن نتجول في البستان بين العرشان بصحبة الصديقين سعود بن عريك وعلي قمبر، أذكر أنه استوقفنا غناء من نوع غريب لم نسمعه قبل ذلك، وعزف كذلك غريب على الدفوف، والأكثر غرابة أننا عندما اقتربنا من أحد العرشان التي نأت بنفسها بعيدًا قليلاً عن العرشان القريبة من العين، استمعنا إلى أصوات غريبة تصدر من هذا العريش. 

أخذنا الفضول أكثر لندس أعيننا من خلال بعض الفتحات أو الزوايا التي تسمح لنا برؤية ما يحدث داخل العريش من خلفه، فإذا بنا نرى بعض نسوة يرتدين ثيابا زاهية، تتوسطهن واحدة، وهن يرقصن بشكل هستيري، رقص لم أعرف يومًا أن له مسمى، وبالمقابل رأينا امرأة وهي تكلمها بشكل غريب، لتصدر من هذه المرأة التي في الحضرة أصواتا غريبة غير مفهومة، وحالات أشبه بالبكاء والصراخ واللجلجة، وكلما تصاعدت هذه الأصوات الغريبة تصاعدت معها أصوات الدفوف، وفي غفلة منا أذكر إن إحدى النسوة خرجت من العريش غاضبة، وتوجهت إلينا بالتوبيخ والتهديد: ماذا تفعلون هنا؟ ألا تخافون؟ ألا تخشون أن تصابوا بالزار؟ 

لم نعرف ماذا نقول ولكننا خفنا حقًا وارتجفت أبداننا، ثم أكملت: إذا أصابكم العفريت أو سكن فيكم، تعالوا هنا لنخرجه منكم.. ثم أمرتنا بالابتعاد عن العريش.. 

ولكنه الفضول.. دعانا بعد قليل للتلصص على من في هذا العريش ثانية، ولكننا هذه المرة لم نحظ إلا بدخان البخور والياوي الذي احتل حضرة الزار، وبعض الأصوات الغريبة التي هدأت قليلاً عن ذي قبل، ولكن كلمة الزار هذه استوقفتني فعلاً، وجذبت ذاكرتي من بستان التينة بالمحرق إلى حوش بيتنا في الرفاع الشرقي، حيث صديق العائلة شريدة بن مرزوق، وهو يتمتع بقامة أفريقية، كما أنه أحد أهم من يجيدون رقصة الحب (القمح) في الرفاع، وكان واحدًا ممن احتواهم الجد علي بن أحمد بن حمدان في بيته الكبير والقديم المجاور لبيت الشيخ أحمد الغتم، جنوب الرفاع، وظل وفيًا له حتى بعد انتقالنا من ذاك البيت إلى بيت أكبر في وسط الرفاع بمحاذاة شارع الشيخ علي بن خليفة، وهو الشارع الرئيس في الرفاع. 

شريدة بن مرزوق إذا غضب أو مر بحالة نفسية يصدر أصواتًا غريبة لم نعرفها حقًا، ومن ثم يقفز، بالرغم من كبر سنه، قفزات غريبة حقًا، ويجعل ذلك اليوم يومًا مختلفًا ومريبًا في بيتنا، فليس هذا شريدة الذي نعرفه، وأذكر أن الوالد يحضر له البخور ويبسمل عليه، وأذكر أنه يخطف الجمرة من المقبس أو المبخر ويضعها على لسانه ثم يلفظها، والوالد في محاولة عصية يخفف من روعه قدر الإمكان، وكان يقول لنا: إن الجني الذي يسكن رأس شريدة حبشي الأصل، أعاننا الله على هذا الزار.. 

وكنت ألاحظ هذا المبخر في يد الوالد عندما تغضب والدته جدتي قوت، أو تصاب بحالة نفسية لم أعرفها في حينها، مثلما لاحظتها في أحد الأيام وهي ترتدي أزهى الثياب وتغيب بصحبة والدتها الجدة نوره بنت عبدالله عن البيت ساعات تأتي بعدها في حالة من الراحة النفسية التي تبدو عليها في سلوكها العام، لأعرف من الوالد فيما بعد أنها تذهب إلى إحدى دورالزار في منطقة البديع للتشافي عما يقلقها نفسيًا.

الزار.. كلمة لأول مرة أسمعها على لسان الوالد، ولأول مرة أراها طقسًا منظمًا مصحوبًا بالجوقة وأبطال الحضرة المصابين بالزار والمرأة (الشيخة) التي تعالجهم عبر حوار فني موسيقي غنائي وديني غريب، فهل كان الزار آنذاك شكلاً من أشكال فنون السيكودراما الشعبية، قبل أن يتطور ليصبح لصيقًا بعلم النفس؟

فإذا كان الزار شكلاً من أشكال علاج المصابين بمرض نفسي بالفن الشعبي المخصص له، فكذلك السيكودراما في بعدها الحديث، إذ هي نوع من أنواع العلاج النفسي الذي يجمع بين الدراما كنوع من أنواع الفنون وعلم النفس، وتكمن فعاليتها في مساعدة الشخص على تفريغ مشاعره وانفعالاته من خلال أداء أدوار تمثيلية لها علاقة بالمواقف التي يعايشها حاضرًا أو عايشها في الماضي أو من الممكن أن يعايشها في المستقبل.

إنها حالة استوقفتني وأذهلتني، وربما أنستني ماء عين التينة الرقراق حينها، بسبب تلصصي الفضولي من خلال العريش على مشاهدة أول حالة نفسية تعالج بالفن، وربما هي التي استدعت استضافتي لفن الزار في مسرحية (ظلالوه)، تأليفي وإخراجي، بفرقته الأصلية بقيادة الفنان الراحل عبدالله المير، وإن كانت لغرض رؤيوي مختلف ومغاير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها