النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

الإنسان بين الحضارة والسعادة

رابط مختصر
العدد 12031 الخميس 17 مارس 2022 الموافق 14 شعبان 1443

الإنسان على هذا الكوكب معزول عن الكون الشاسع، لا رفيق ولا معين، عليه أن يتدبر امر حياته بنفسه، وهو محكوم جسديًا بين دفتي اللذة والألم، ونفسيًا بين السعادة والتعاسة، بينما العقل محتار بين مادية الجسد وروحية النفس. يعمل العقل، بملكة الفكر، على التوفيق بين المادة والروح، وهو بجهده الفكري قد تخطى كل حدود المادة والروح الى نماذج من تشكيلات تتطور وتتشكل وتروض المادة وتخضع الروح، وهي بنية معقدة اتفق الإنسان أن يسميها «حضار» لمقتضيات لغوية وفكرية. الإنسان قبل الحضارة كان جل ما يسعى إليه هو تحقيق اللذة وتفادي الألم، ومع تعاقب الزمن وتراكم الخبرات اخذ يصيغ مفاهيم اللذة والألم في اطر فكرية (فلسفية).

كان هم المفكرين الاغريق، وهم سادة الفلسفة، التبحر في معاني اللذة والألم، وتحديد موقعهما من الإنسان، وكيف أن الهدف النهائي من الحياة هي اللذة، ومن ثم جاءت المدرسة الإبيقورية بمفهوم أوسع وأشمل وأعمق وهو السعادة. موضوع السعادة كان مطروحًا على اوسع نطاق في بدايات النمو الحضاري، ولم يكن موضوع الحضارة يحتل تلك الأهمية أو المكانة التي تحتلها اليوم بدءًا من بداية القرن العشرين، وبعد أو نتيجة لحرب المائة عام في أوروبا بين بريطانيا وفرنسا. عندها ادرك الإنسان أن انبهاره بالحضارة كان أقرب الى خديعة ذاتية أو تضليل ذاتي. الحضارة، بشموليتها الإنسانية أو بمحدوديتها الجغرافية، لم تستطع أن تحقق للإنسان السعادة التي ينشدها الإنسان والتي هي هدف الحياة الجوهري.

السعادة رجاء الإنسان وهدفه من الحياة منذ أن فتح عينيه على الدنيا، والسعادة ذروة المنى وقمة الرجاء.. والإنسان من عالمه وجاهله، من صغيره وكبيره، يتلمظ السعادة في كل لحظة من حياته؛ بالنسبة للإنسان وللإنسانية قاطبة فإن السعادة هي روح الحياة. السعادة هي نور الفضيلة الكامنة في أعماق النفس البشرية منذ بدء الخليقة، وميزة السعادة انها لا تكتمل الا مع سعادة الآخرين، بمعنى أن التمتع بروح السعادة هو جوهر المحبة والسلام، ومن السعادة يمكن للبشرية أن تتخطى التبعات السلبية التي راكمتها الحضارة في حياة الإنسان.

الإنسان يسعى الى السعادة، ولكنه يعيش تحت كنف الحضارة التي تعمل على النقيض من السعادة وهي ليست مؤهلة أن تحقق الامن والاستقرار للإنسان، فكيف بفضيلة عظيمة مثل السعادة. هذا التناقض الفاضح بين الحضارة والسعادة يضع الفكر بعمقه الفلسفي امام مهمة إنسانية حساسة، وقد بلغ الإنسان بحضارته الى نقطة حرجة بين الوجود والعدم.

السعادة والحضارة في كفتي ميزان الفلسفة، بهذه العبارة نعرج على مقولة للفيلسوف الاغريقي إبيقور (القرن الثالث قبل الميلاد) نقلًا عن وتعقيبًا من الفيلسوف الفرنسي مارسيل كونش (1922-2022) الذي غادر العالم في 27 فبراير 2022: «إن تقدم الحضارة لا يؤدي إلا إلى مضاعفة الاحتياجات والإغراءات والملذات. ولكن وفقًا لإبيقور، يكفي أن يكون المرء سعيدًا أن يكون لديك ماء وطعام بسيط وملبس ومأوى وأن تكون فيلسوفًا (بمعنى أن تفكر بوعي) وأن تعيش في مجتمع مليء بالعاطفة مع أصدقائك». هذه العبارة المشتركة بين قديم ابيقور وحداثة مارسيل كونش، والفاصل بينهما اكثر من الفي سنة، يجمع بين «السعادة» و«الحضارة».

مع نهايات القرن التاسع عشر شعر الإنسان انه على وشك أن يغرق في لجة الحضارة الموبوءة بالحروب والكراهية، والظلم والفقر، واعتداء القوي على الضعيف، واستغلال الدول الكبرى للدول الصغرى، ومعها استمرار الحروب وتصاعد عنفها وقسوتها وقدرتها على انهاء الحنس البشري.

الفكر الإنساني امام محنة الحضارة شخص طبيعة المحنة ونتائجها المحتملة في عدد من المؤلفات وافضلها كتاب «قلق في الحضارة» لمؤسس علم النفس سيغموند فرويد، الذي جمع في هذا الكتاب بين علم النفس والفلسفة. الخلاصة التي يتوصل اليها فرويد في كتابه (النفسي-الفلسفي) محذرًا الإنسان على مصيره من نفسه قائلًا: «ان مسألة الجنس البشري تطرح نفسها، على ما يخيل اليّ، على النحو الآتي: هل سيكون في مستطاع تقدم الحضارة، والى اي مدى، أن يسيطر ويتغلب على الخلل الذي تحدثه في الحياة المشتركة دوافع البشر الغريزية الى العدوان وتدمير الذات ؟ ربما كان العصر الحالي يستحق، من وجهة النظر هذه، اهتمامًا خاصًا. فاهل هذا العصر قد قطعوا شوطًا بعيدًا في السيطرة على قوى الطبيعة بحيث بات من السهل عليهم، بالاستعانة بها، أن يفنوا بعضهم بعضًا عن بكرة أبيهم». فرويد يتساءل بحيرة والم عن السبب الذي جعل الإنسان يفشل في تحقيق السعادة التي ينشدها والتي يتغنى بها، رغم تطوره الحضاري الذي طوع الطبيعة لصالحه، ولكنه ليس بقادر أن يحقق السعادة، بل انه يعيش في قلق دائم وخوف من الآخر مما يدفعه الى ابادة الذات، الذات البشرية كلها. من أطرف ما قاله الإنسان عن نفسه وهو غارق في الحضارة، أنه لم يعد للشيطان مكان في هذا العالم بعد أن حل الإنسان مكانه!!!

الخلاصة أن الحضارة في حاجة الى مراجعة فكرية - فلسفية جادة وملحة تضيف اليها مهمات غائبة أو منسية أو انها لم تكن في الحسبان وتلغي عنها مهمات اخرى، ومن اهم هذه المهمات هي أن الحضارة يجب أن تكون وسيلة لإسعاد البشرية، وهي مهمة في متناول قدرة الإنسان بما حققه من تطور علمي وتكنولوجي وتنظيمي..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها