النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12136 الخميس 30 يونيو 2022 الموافق 1 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:15AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

(أوكرانيا) بداية التغيير الدوليّ

رابط مختصر
العدد 12029 الثلاثاء 15 مارس 2022 الموافق 12 شعبان 1443

يعيش العالم حالة من التوتر الشديد جداً بسبب الصراع الدائر في أوكرانيا بين القوتين العُظميين، فقد عادت روسيا من أوسع الأبواب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في (26 ديسمبر 1991م) لتعيد التوازن في العلاقات الدولية من جديد ليواجه العالم إما حرباً عالمية نووية ثالثة، أو حرباً باردة كالتي استمرت من بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أوائل التسعينيات وانتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أن المنطق يقول بأنه لن تكون هناك حرباً عالمية نووية، بل سيتمّ التوصّل إلى حلٍ توافقي يُرضي الرئيس فلاديمير بوتين بحيث تبقى أوكرانيا بلداً محايداً دون أن تكون عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو). 

وإلى حين تهدئة هذه الأزمة وإيجاد حلٍ لها، أعتقد بأن انعكاسات هذه الحرب ستكون كبيرة جداً على العالم، ولن يكون العالم بعدها كما كان قبلها، وعلَّ أبرز هذه الانعكاسات حسبما أراها من قراءة وقائع الأحداث هي: 

أولاً: بعد سنوات طويلة من المعاناة والتدخّل الأمريكي في شؤونها الداخلية خاصة في الانتخابات الرئاسية، سوف تخلع دول الاتحاد الأوروبي عباءتها الأمريكية، وتتحوَّل إلى دول مستقلة عن القرار الأمريكي، وعلى وجه الخصوص ألمانيا الاتحادية التي هي العمود الفقري للاتحاد، وهي التي ترى بأن تاريخها لا يسمح لها بالاستمرار على هذا الوضع المعلَّق بين دولة تملك اقتصاداً قوياً وتقود دول الاتحاد وبين دولة لا زالت تنتشر القواعد الأمريكية على أراضيها، وتقيّد تحرّكاتها الدولية والإقليمية شروط الحرب العالمية الثانية وتعيق انطلاقها كدولة عظمى لها دوراً مهماً ومؤثراً في رسم السياسة الدولية. 

ثانياً: ستكون هناك ضغوط على (مجلس الأمن الدولي) لإعادة النظر في نظامه وتشكيله وعضويته واستخدام حق النقض (الفيتو) الذي تتمتَّع به الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس وهي (الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، والصين) والذي تستخدمه لرفض أيّ قرار قد يسهم في معالجة أزمات العالم حتى وإن كان مقبولاً من الدول الأخرى، وهو يعتبر أحد نتائج الحرب العالمية الثانية الذي جاء كمكافئة للدول المنتصرة في الحرب لتتحكَّم في القرار الدولي؛ لذلك سوف تسعى دول مثل ألمانيا والهند إلى تغيير النظام في مجلس الأمن كونه لم يعد يناسب المجتمع الدولي بعد مضي أكثر من سبعين عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية، وسوف تؤيدها دول أخرى مثل مصر وجنوب أفريقيا واليابان التي ترى أن من حقها أن تكون لها عضوية دائمة في مجلس الأمن وفق نظام دولي جديد يعكس الأوضاع الحالية في العالم بعد حرب أوكرانيا. 

ثالثاً: رغم أن الولايات المتحدة تُعتبر حليفاً استراتيجياً لعدد من دول مجلس التعاون، خصوصاً مع ما تناقلته وكالات الأنباء مؤخراً حول اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية مملكة البحرين ودولة قطر حليفين استراتيجيين لها من خارج حلف الناتو؛ كونهما مركزاً للقوات الأمريكية في المنطقة، حيث تُقيم في البحرين القيادة المركزية للبحرية الأمريكية وتستضيف الأسطول الأمريكي الخامس ودولة قطر (قاعدة العديد الجوية العسكرية) وهي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وبهذا الموقف الخليجي المحايد تكون دول مجلس التعاون قد اتخذت موقفاً حاسماً من الهيمنة الأمريكية لأسباب متعددة؛ أهمها عدم الثقة في سياستها الخارجية لاتخاذها مواقف استراتيجية مهمة ضد مصالح دول مجلس التعاون، كالتوقيع على الاتفاق النووي مع إيران في (يوليو 2015م)، ورفعها الحظر عن المليارات الإيرانية في الخزائن الأمريكية مما جدَّد التهديدات الإيرانية على أمن الخليج، وأهمها ما تعرَّضت إليه السعودية والإمارات من هجوم المسيرات (الدرون) على مرافقها الحيوية، إضافة إلى انسحابها المفاجئ من أفغانستان وما له من انعكاسات أمنيّة خطيرة على أمن واستقرار دول المجلس وتدخلها في شؤونها الداخلية، وكان آخرها دعوة السفير الأمريكي الجديد في البحرين لعدد من الشخصيات البحرينية على العشاء لتبادل الآراء حول أوضاع حقوق الإنسان في البحرين، ومنعها لصفقات الأسلحة عن دول مجلس التعاون أو وضع شروط قاسية لاستخدامها وربط ذلك بحقوق الإنسان. 

إن سياسة دول الخليج بالتوجّه شرقاً نحو الصين واليابان والهند ستكون حاسمة في بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، وسيترتَّب على ذلك إعادة النظر في العلاقات الخليجية الأمريكية من أجل حماية مصالحهما الاستراتيجية الأمنيّة والاقتصادية، وليس هناك ما يمنع دول مجلس التعاون من اتخاذ سياسة جماعية موحَّدة تضع الأسس الجديدة للعلاقات الأمريكية الخليجية بالتوازي مع علاقاتها مع الدول الكبرى في شرق آسيا، كما أن تعزيز الاتصالات وتبادل المنافع الاقتصادية مع مجموعة دول الآسيان التي لها مع دول مجلس التعاون تاريخ حافل من التعاون يمكن التأسيس عليه، سوف يكون هو الآخر قوة مضافة لتشكيل قوة اقتصادية خليجية آسيوية قائمة على المصالح الاقتصادية وليس على التدخّل في الشؤون الداخلية وتصدير الأزمات الطائفية داخل دول مجلس التعاون تحت إطار حماية حقوق الإنسان، وقد كانت (مملكة البحرين) هي صاحبة مبادرة التعاون مع دول الآسيان وسياسة التوجّه شرقاً، حيث فتحت زيارة صاحب الجلالة الملك المفدَّى إلى جمهورية الصين في (سبتمبر 2013م) ابوابا جديدة للتعاون القائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. 

وعلى ذلك؛ فإنه لا بدّ من توسيع آفاق التعاون السياسي والاقتصادي مع الصين والهند واليابان ومجموعة الآسيان من أجل بناء وتأسيس تحالفات جديدة تخلق توازناً أمام الغرور الأمريكي وثقته باعتماد دول المجلس على الولايات المتحدة الأمريكية فقط لحفظ أمنها واستقرارها؛ على اعتبار أن أمريكا في منطقة نفوذها التاريخية التي أصبحت تخضع لحسابات وتوازنات مصالحها فقط، لدرجة وصلت إلى حَد التآمر على دول مجلس التعاون لإسقاط أنظمتها الحاكمة في مخطط الربيع العربي، والذي لا زالت احتمالات إعادة تنفيذه حاضرة، ومازالت البحرين واردة في أحلام مسؤولي حقوق الإنسان في البيت الأبيض والخارجية الأمريكية الذين يعملون على دعم القيادات الإرهابية المعارضة بكل الوسائل. 

ومع ذلك فان الدور الأمريكي المعروف في الوقوف أمام العديد من التهديدات التي مرَّت بها منطقة الخليج العربي وخاصة عند الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت تأثير كبير في حماية دول مجلس التعاون، الا ان الأمر يتطلَّب أن تكون هناك سياسة خليجية موحَّدة ومتوازنة مع الولايات المتحدة إلى جانب سياسة التوجه شرقاً وبناء علاقات خارجية متينة ومستقرة أسسها التفاهم المشترك وتوسيع الشراكات التي تخدم مصالحها العُليا وتؤكد أمنها واستقرارها الداخلي واستقرار الإقليم المحيط بها؛ لما لمجلس التعاون من دور مهم وملموس في التأثير على السياسة الدولية. 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها