النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12135 الأربعاء 29 يونيو 2022 الموافق 30 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

البوري.. بداية مسرح المأساة والملهاة معًا

رابط مختصر
العدد 12029 الثلاثاء 15 مارس 2022 الموافق 12 شعبان 1443

  • هذه الصافرة هي أول وأقدم صافرة في البحرين والخليج نصب برجها في مدينة العوالي

 

يتسع فضاء المسرح في الطفولة باتساع مساحات (البوري) الصوتية في علوها وانخفاضها تارة، وارتفاع أزيز نغماتها تارة أخرى وتلاشيه التدريجي وانقطاعه فجأة كانقطاع البرق النيزكي في السماء المعتمة.

والبوري كما وعت إليه ذاكرتنا في ستينات القرن الماضي، هو أول وأقدم صافرة نصبها الإنجليز في البحرين إبان اكتشاف النفط عام 1932 لتنظيم أوقات الدوام لعمال وموظفي شركة نفط البحرين (بابكو)، وحسب مذكرات المستشار البريطاني السير تشارليز بلغريف حين زيارته لمدينة العوالي، فإن هذه الصافرة هي أول وأقدم صافرة في البحرين والخليج العربي، وقد نصب برجها العالي في مدينة العوالي لانتظام أوقات أعمال ووجبات سكانها الذين يعملون في شركة بابكو وأغلبهم من الإنجليز، ويعد عمر هذه الصافرة موازيا إن لم يكن أقدم من عمر تأسيس الشركة أو اكتشاف النفط في البحرين، الأمر الذي حدا ببعض المسؤولين القدامى بالشركة أن يعتبر هذه الصافرة واحدة من أهم المقتنيات القديمة النفيسة التي تشهد على عمق وأهمية وعراقة تاريخ الشركة. 

هذه الصافرة (البوري)، وبعد التوسع واكتمال مشروع شركة (بابكو)، انتقل نموذجها الأكثر حداثة في تقنيته إلى قلب هذه الشركة في مدينة سترة، أو كما يطلق عليها آنذاك (الفينري)، وهي كلمة محرفة أو مبحرنة عن الكلمة الإنجليزية الأصل (refinari) التي تعني (مصنع التكرير)، ويقال إن الأصوات الصادرة منها تنطلق من خلال مراوح كبيرة ومتعددة الأحجام تتحرك بوسائل أو أجهزة قوة دفع هوائي هائلة تساعد على إصدار الصوت بتدرج نغماته منها، وبحيث تسمح هذه النغمات لكل المدن والقرى المجاورة من الشركة إلى سماعها والانتباه لمكان ومصدر هذا الصوت. 

ويقال إن كلمة (بوري) الشائعة عن هذه الصافرة في البحرين، محرفة أو (مبحرنة) عن اسمها الإنجليزي الأصلي (puzzer)، والتي ارتبطت فيما بعد استقرار الشركة في مدينة سترة بالإعلان عن دخول العمال إلى الشركة والتوجه لأعمالهم وخروجهم منها بعد نهاية الدوام الرسمي، ودائما ما تبدأ الصافرة في الساعة السابعة صباحا حيث يبدأ العمل في الشركة وفي الثالثة والنصف عصرا حيث ينتهي الدوام فيها، أما دوامات النوبات الليلية فلا نسمع هذه الصفارة، ولا نسمعها إلا في حالات الطوارئ من بعد الثالثة عصرا. 

وللبوري صوتان، أحدهما مفرح والآخر مفزع، مفرح لأننا بانتظار قدوم من نحب على أحر من الجمر، ومفزع إذا صاح أو دوى صوت البوري في غير وقته الذي اعتدناه، والأخير أي المفزع، هو عصب حكايتنا ودراما القلق والحزن فيها.

وأذكر أنني وشقيقاتي عندما نسمع هذه الصافرة وهي تتدرج في علو صوتها من بعد نهاية الدوام، نصعد مسرعين إلى الغرفة العلوية في بيتنا وندس رؤوسنا الصغيرة في فتحات التهوية المستطيلة الضيقة التي يطلق عليها آنذاك (الباجدير) والتي تقع بجوار (الليوان) المسقوف الخارجي المجاور لهذه الغرفة، لنتبين أسباب صوت هذه الصافرة خاصة أثناء عمل الوالد رحمة الله عليه في النوبات الليلية (أول ليل أو آخر ليل)، فغالبا ما يكون هذا الصوت في هذا التوقيت تحديدا مثيرا للخوف والقلق، ومعناه بالمختصر المفيد أنه قد حدثت مصيبة أو كارثة للعمال في الشركة.

وما إن تستقر رؤوسنا في فتحات التهوية في (الباجدير) المعد للتهوية، حتى نرى بالمقابل أطفالا وشبابا فوق أسطح بيوتهم يتابعون ويستكشفون أسباب هذا الصوت الذي ينغرس لحظتها كالإبر الحادة في الشرايين بترقب وقلق، خاصة وأن أغلب سكان الرفاع الشرقي آنذاك يعملون في شركة بابكو، وأكثرهم في مهنة اللحام التي اشتهر بها عمال البحرين من دون المناطق الأخرى، بل هم أول من احتوتهم واتكأت على خبرتهم شركة أرامكو بالسعودية نظرا لمراسهم الطويل فيها وإتقانهم هذه المهنة بامتياز.

وأذكر أن بيتنا يوشك أن يكون هو الوحيد من بيوت الحي الذي تتوافر فيه هذه الغرفة العلوية، وذلك طبعا يسمح لنا بمشاهدة موقع الشركة عن بُعد ومشاهدة الأدخنة التي تصدر منها إذا تعرض العاملون فيها لخطر، ذلك أن بيوت الرفاع في تلك الفترة الستينية لم تشهد بناء عمارات أو بيوت بطوابق متعددة، إذ كان الفسح المتسع فيها يقرب موقع هذه الشركة منها وكما لو أنها جزء من الرفاع ذاتها. 

في هذا اليوم يوشك أهل الرفاع أن يهجروا غرفهم وأحواشهم السفلية، إذ إن المجتمع الرفاعي تراه في هذا اليوم فوق الأسطح أو فوق منارات المساجد يتابع الأدخنة الصادرة من الشركة على قلق، ومن لم يستطع الصعود من كبار السن أو من النساء تراهم يهرعون بخطاهم المتسارعة والمرتبكة من بيت إلى بيت للاطمئنان على ذويهم، علهم يسمعون خبرا يشرح الصدر ولا يثير الحزن والقلق، إذ ما أكثر الذين تعرضوا لإصابات وحروق جراء عملهم في هذه الشركة، خاصة أن وسائل ومعدات وأجهزة السلامة والأمان والحماية آنذاك ليست بذاك المستوى الذي هي عليه اليوم، فليس أمامهم سوى مصير مجهول أمره، أو اللوذ إلى أدعية أئمة المساجد في الصلوات، علها تزيح الخطر المحدق بالعمال في هذه الشركة، أو تزيح الهم والنكد عن قلوب ونفوس ذويهم الذين يترقبون وصولهم سالمين. 

إنهما حدثان متلازمين في الموقع وخارجه في المجتمع، فهناك الحدث وهنا من يترقب هذا الحدث وكما لو أنه يعيشه، خاصة وأن حدث الموقع متصل أمره وخطره بالنفط ومستخرجاته السريعة الاشتعال والتي تدفعك للخشية حقا بسبب حجم البراميل الكبير والهائل والمتجاورة، حيث نظن كلنا لحظتها بأن الخطر لا يهدد ذوينا فحسب، وإنما قد يلتهم الرفاع بالبحرين كلها لو استشرت عدوى حريقه في كل هذه البراميل، فمثل هذه البراميل الضخمة الهائلة يبدو أنه من الصعب التحكم فيها، وبسببها القلق لا يطال العاملين البحرينيين فحسب، وإنما يطال حتى الإنجليز المؤسسين لهذه الشركة والعاملين فيها.

ولأن شركة بابكو أشبه بدولة داخل دولة نظرا لأهميتها الاقتصادية الرئيسة في البحرين، فإنها تملك كل مسعفاتها الخاصة بها، فلديها دائرة خاصة للإطفاء في وقت الطوارئ، في وقت لم تكن البحرين فيه قد أسست لدائرة خاصة بالدفاع المدني لمواجهة مثل هذه الأخطار، وعليه يصب ذوو العمال جام أملهم وغضبهم على الشركة برمتها إن لم تتمكن من إنقاذ ذويهم.

وأكثر ما كان يستوقفني في مثل هذه الحالات واللحظات والمواقف، التوقعات التي تتناثر إلى حد إتخام المخيلة بها حول نوعية وطبيعة الحادث أو الإصابات التي تعرض لها العمال والذين ربما أنهم لم يتعرضوا لأي شيء على الإطلاق، فمنهم من يزف إليك خبرا فادحا، مثل أن كل من يعمل في الشركة من الرفاع تعرض للخطر والإصابات، ومنهم خاصة النساء يسبقهم البكاء وتتبعها الولولة سريعا فيشعرن بذلك أهل الحي بأن هناك خطرا حل لا محالة، خاصة ممن تعرض أزواجهن أو أبنائهن لمثل هذا الخطر سابقا، وهناك من يعتقد بأن هجوما عسكريا من جهة ما أو من فئة ضالة ما استهدفت شركة بابكو والبحرين معا.

وتنتشر هذه التوقعات والتكهنات والمبالغات بسرعة كالنار في الهشيم لتعم الرفاع كلها، ولا يطمئن بال الأهالي فيها إلا برؤية ذويهم، ويا للويل إذا تأخر بعضهم عن القدوم في وقته، فالمصيبة قد حلت إذن بالتأكيد، حتى لو كان هذا البعض يعمل عملا إضافيا اقتضته الحال الطارئة في ذلك اليوم بالشركة، ولا يحسم هذا الأمر إلا بعض زملاء عملهم ممن غادرهم وهم في مهنتهم، خاصة في ندرة الهواتف الأرضية وغياب الهواتف الجوالة ووسائل التواصل الاجتماعي، وكم عرضت هذه التوقعات والتكهنات بعض المصابين بأمراض القلب والقلق إلى أخطار صحية ربما يعودوا بعدها إلى سابق عهدهم وربما العكس 

وأذكر أن أهالي الرفاع في ذلك اليوم أغلبهم يترقب وصول باص العمال التابع لبابكو والذي يطلق عليه آنذاك (سالم الخطر) ليطمئنوا على ذويهم، وبعضهم وهو يرى الراجلين من الباص كمن يحصي عدد من فيه ليتأكد ممن غاب منهم، وطبعا يصبح الأمر عصيا ومر المذاق وصعب الوقع إذا تخلف أحد منهم ولم يروه ضمن الراجلين من العمال. 

وما أكثر الحوادث البسيطة والعارضة والبليغة التي حدثنا عنها الوالد والتي جرت هناك في الشركة في لحظات الخطر، ولعل أخطرها ما حدث في عام 1972 الذي أفزع البحرين كلها، ودعا بعض طلبة مدينة عيسى لأن يستغلوا إحدى الباصات في عودتهم من رحلة ما في البحرين، إلى المرور صوب شارع سترة لرؤية هول النيران والأدخنة المتصاعدة الصادرة من موقع الشركة. 

في هذا اليوم أرى الحي كله أشبه بمسرح حي أبطاله العاملون بشركة بابكو وأحداثه القلق والخوف والحزن ونهايته تراجيدية سوداء مرعبة، فكم من التكهنات المأساوية التي أثارتها صافرة (البوري) في هذا اليوم.. وإلى أي حد ذهبت ببعضهم المخيلة ليصنعوا من خلالها أحداثا ليست في وارد الحسبان أو التوقع؟ وكم من الوجوه التي تغيرت وتبدلت واكفهرت بسبب هذه الصافرة!

ولا يخف القلق إلا إذا صاح ودوّى صوت البوري ثانية، أي زال الخطر، وإذا استمرت الصافرة حتى وقت متأخر فمعناه أن الخطر قائم ولم ينتهِ بعد، وربما يكون هذا الصوت (البوري) لدى بعضهم أشبه بصوت أوار اللهب وهو يتعالى ويمتد لالتهام كل ما يصادفه من البشر والحجر، لذا هو مزعج جدا في مثل هذه اللحظات ويأكل قلب الأمهات والزوجات خاصة بلا رحمة أو رأفة. 

البوري.. هو صافرة المسرح التي تأذن لحظة دويها أن ترى الأحداث منسوجة بهول الواقع المتجسد والمتوقع في أقصى ممكنات تخيلهما معا، وأن ترى المأساة أحيانا من خلال المتوقع فيها والمتخيل أيضا ملهاة سوداء، أو نصا مسرحيا انكفأ مؤلفه على كتابة مخيلته فيه ليشكل من خلاله نصا آخر غير الذي يحدث في الواقع، وأن ترى المجتمع الصغير يكبر ليصبح مسرحا كبيرا، وها هي اليوم تصبح (صافرة البوري) جزءا لا يتجزأ من ذاكرة طفولتي إبان ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها