النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12183 الثلاثاء 16 أغسطس 2022 الموافق 18 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

مناطق النفوذ والمعايير المتناقضة

رابط مختصر
العدد 12024 الخميس 10 مارس 2022 الموافق 7 شعبان 1443

ما يجري الآن بين روسيا والغرب في اوكرانيا يذكرنا ويشبه كثيرًا اسلوب مواجهات الحرب الباردة عندما كان المعسكران الشرقي والغربي يتصارعان على مناطق النفوذ والتأثير sphere of influence، إما عبر التوسع وصولا لحدود الطرف الاخر او عبر كسب حلفاء اكثر من الاخر، حتى وان كانوا حلفاء غير استراتيجيين.

مبادئ الامن الدولي والمعاهدات الدولية تنص على انه لا يجوز تعزيز أمن دولة ما على حساب دولة اخرى لمنع انفجار سباق التسلح والصراعات العسكرية، انما ما يحصل في اوكرانيا الان هو تماما عكس هذه المبادئ، مما اشعل الصراع، وبعد سنوات طويلة من تصاعد حدة الخلافات وعدم معالجتها بشكل جذري انفجرت المواجهات العسكرية التي كان بالإمكان تجنبها لو تمت مراعاة هذه المبادئ.

فروسيا تراها مسألة وجودية وتطالب بضمانات استراتيجية مثل ضمان حياد اوكرانيا وعدم انضمامها لحلف الناتو، وعدم توسع الناتو شرقا نحو حدود روسيا كما كان الوعد بين الغرب والاتحاد السوفيتي بزعامة غورباتشوف في بداية التسعينات. بينما يرى الغرب ان الدول التي انضمت لحلف الناتو قد انضمت بناء على طلبهم ولم يجبروا على ذلك حتى وان كانوا على حدود روسيا وسابقا ضمن الاتحاد السوفيتي، وبما لا يتوافق مع اتفاقهم مع موسكو في ذلك الوقت، ويرون ان مطالب موسكو تعتبر تهديدا مصيريا بالنسبة لهم ولمصالحهم (واسلوب حياتهم وقيمهم!) تستوجب اولا عدم الاستجابة لمطالب روسيا بمراعاة أمنها (حتى قبل العمليات العسكرية التي كان ممكن تجنبها)، وثانيا تستوجب فرض اقصى العقوبات والعزلة والحشد الدولي وصولا لتسليح اوكرانيا ودعم رسمي لإرسال متطوعين للقتال في اوكرانيا!

بينما لا يستطيع الغرب (امريكا والدول الاوروبية) تفهم ذات الموقف والسيناريو الذي تخشاه وتعاني منه دول الخليج العربي مع ايران، في محاولاتها لتوسعة مناطق نفوذها sphere of influence وعلى حساب أمن واستقرار جيرانها وشعوب المنطقة ككل. وانحصر اهتمام امريكا والغرب في التفاوض مع إيران على برنامجها النووي بغض النظر عن سلوكها المزعزع للأمن واعتدائها على السفرات الأجنبية واحتجازها للمواطنين الاجانب والمساومة بهم وتأسيسها ودعمها لمليشيات عابرة للحدود وتدميرها دول عربية مستقلة! 

أليس ما تفعله إيران شبيه بما تفعله روسيا؟ بل أسوأ مما تفعله روسيا، فروسيا تقدم مطالبها لحماية امنها -من وجهة نظرها- وتتصرف كدولة لها مصالح استراتيجية وأمن قومي تتحرك علنا بناء عليه، حتى وإن تعارض مع مصالح دول اخرى او أخذ شكلا عسكريا لا ندعمه بأي شكل من الأشكال، ولكن ايران لا تتصرف كدولة إنما كمنبع للارهاب والفوضى ومع ذلك يصر الغرب على التفاوض معها فقط فيما يخص برنامجها النووي مقابل اطلاق يدها وتمكينها عبر رفع العقوبات عنها، وغض النظر عن تصرفاتها وسياساتها في المنطقة وتوسعة مناطق نفوذها لدول عربية لا علاقة لإيران فيها لا تاريخيا ولا ثقافيا ولا عرقيا، ولا مصالح مشتركة ولا تاريخ مشترك غير محاولات سابقة لإيران لغزو والاستحواذ على خيرات الشعوب والهيمنة على مصيرها وقرارها. 

هل لأننا لا نشبههم فلا يعنيهم المتاجرة في مصيرنا والتفاوض في شأن يخصنا اكثر مما يخصهم ويمس امننا قبل ان يضرهم؟ لكن عندما شاهدت إعلاميين ومسؤولين غربيين يقولون علنا ان على دولهم التحرك ومواجهة روسيا وحماية الاوكرانيين لأنهم يشبهونهم وليسوا مثل اللاجئين العراقيين والسوريين والافغان، تغاضيت عن السؤال وتذكرت في العام 2012 عندما قال لي مسؤول غربي كبير في منظمة دولية للإغاثة انه شاهد فضائع وجرائم ابادة جماعية بشعة في افريقيا وغيرها من مناطق ولكنه تعامل معها بمهنية ولم يتأثر بها كما حصل معه عندما شاهد آثار الحرب في البوسنة والهرسك، وعندما سألته لماذا؟ قال لي لأنهم يشبهوننا نحن الاوروبيين فكيف يحدث هذا لهم؟!

فأهلا وسهلا بكم في نظام عالمي يُحكم البناء على تشابه البشر او اختلافهم، لا بحكم انسانيتهم وعدالة مطالبهم او حقوقهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها