النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

فراغ وفشل النظام الدولي

رابط مختصر
العدد 12017 الخميس 3 مارس 2022 الموافق 30 رجب 1443

 مع تصاعد الصراع في اوكرانيا، وزيادة حدة المواجهة بأشكال مختلفة بين روسيا وامريكا وبعض الدول الاوروبية، يبحث العالم عن جهة لديها القدرة على حل الخلافات ومنع انزلاقها لحروب مفتوحة، فلا امريكا كونها الزعيم الاوحد للنظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مع نهاية الحرب الباردة نجحت في حفظ السلام والأمن الدوليين، بل تتهم من البعض بأنها كانت سبب في زيادة الصراعات، ولا المنظمات الدولية المعنية بالأمن والسلم نجحت في ذلك.

وما زال العالم يعاني من فراغ في القيادة المسؤولة ويتصف بالفوضى السياسية anarchy، ونتيجة لذلك تستمر دول وشعوب في دفع اثمان باهضة مقابل استمرار وإصرار عدد محدود من الدول بالاحتفاظ بمكاسبها اثناء حقبة الاستعمار أو المنتصرين مع نهاية الحرب العالمية الثانية على الرغم من كل التحولات التي شهدها العالم. ومع زيادة الازمات والصراعات يزداد انكشاف الخلل المؤسسي والهيكلي في المنظمات المعنية وعلى رأسها مجلس الامن، فلا يوجد ما يبرر احتكار خمسة دول دائمة العضوية لقرارات مجلس الأمن وامتلاكها حق النقض (الفيتو)، ما عطل حل كثير من الصراعات وجعل دول العالم تدور في فلك الدول الخمس لفترة من الزمن، ونتيجة لهذا الخلل الهيكلي والمؤسسي في المنظمات المعنية بالأمن والسلم الدوليين نجد روسيا تختار أن تحسم مصالحها بالطريقة العسكرية ولا تلجأ أو تعتمد على مجلس الأمن وهي أحد الأعضاء الدائمين، وكذلك الحال بالنسبة لأمريكا سواء في العراق أو فيتنام أو أفغانستان.

ولكن تجربة مجلس الأمن لم تكن الأولى وسبقتها تجربة لا تقل أهمية على الرغم من فشلها ويجب علينا الاطلاع عليها لنعلم أن التنظير المثالي لا يحقق أي نجاحات على أرض الواقع، وكذلك الحال بالنسبة لاي مبادرة لا تمتلك آلية تنفيذ فاعلة ولا تمثيلا عادلا، والأهم عدم وجود قيادة قوية وقادرة على تحمل المسؤولية والقيام بما يلزم لا على أسس انتخابية وشعارات شعبية قصيرة المدى إنما على أساس ضمان الأمن والاستقرار الدوليين، تماما مثلما فعلت القيادة الفاعلة والمسؤولة في المملكة العربية السعودية عندما احتاجها العالم العربي اثناء الفوضى المفتعلة في 2011 وكذلك فعلت الامارات العربية المتحدة ودفعوا أثمانا باهظة لكي يتحقق الأمن والاستقرار في المنطقة. ففي العام 1919 تم تأسيس عصبة الأمم League of Nations بعد نهاية الحرب العالمية الاولى عندما سعى مهندسها الرئيس الأمريكي الثامن والعشرون وودرو ويلسون لتأسيس منظمة دولية تمنع وقوع الحروب بين الدول والحد من انتشار الأسلحة وضمان الأمن المشترك للأعضاء بالإضافة لمبادئ أخرى (عددها 14 مبدأ) قدمها ويلسون في البداية للكونغرس الامريكي كوثيقة تضمن السلام الدولي واعادة إعمار أوروبا بعد الحرب، وشكلت هذه المبادئ نواة عصبة الأمم التي لم تنجح في تجنيب العالم حرب عالمية ثانية أبشع من الاولى فانتهت معها عصبة الأمم والمبادئ الويلسونية.

كانت مثالية ويلسون الاكاديمي السابق والرئيس الامريكي غير كافية لتحقيق ما طمح له، فبعد أن أقنع زعماء اوروبا بتأسيس والانضمام لعصبة الأمم لم يستطع اقناع الكونغرس الامريكي بالانضمام لها، ولم تمتلك العصبة اي اداة فاعلة او آلية لفرض هذه المبادئ والتأكد من الالتزام بها، فكانت مجرد افكار مثالية لا تعالج اسس الخلافات ولا اسبابها ولا تضمن عدم تطورها لحروب مدمرة. فلم تصمد عصبة الأمم وتلاها في العام 1945 تأسيس منظمة الأمم المتحدة على أمل أن تنجح في ما فشلت فيه عصبة الأمم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومع استمرار هذه المنظمة الدولية لغاية اليوم وتوسع نشاطاتها وانبثاق العديد من المنظمات دولية التابعة ومن اهمها مجلس الأمن المعني بحفظ السلام والأمن الدوليين وعلى الرغم من أن قراراته تعتبر نصوصا قانونية ملزمة بناء على ميثاق الأمم المتحدة إلا انه فعليا وعلى أرض الواقع عاجز عن حل الخلافات والصراعات الدولية لأسباب كثيرة منها الخلل المؤسسي والهيكلي بوجود خمسة أعضاء دائمي العضوية يملكون حق النقض (الفيتو) على قرارات المجلس، وهم خمس الدول الكبرى التي خرجت منتصرة بعد الحرب العالمية الثانية (الولايات المتحدة الامريكية، بريطانيا، فرنسا، الاتحاد السوفيتي «روسيا حاليا» والصين).

ومع كل التحولات التي يمر فيه العالم وتصاعد حدة الخلافات بدل حلها أصبح لزامًا على المجتمع الدولي إعادة النظر في وضع مجلس الأمن، أما عبر إدخال إصلاحات جدية وشاملة تعالج الخلل الكبير فيه وتمكنه من القيام بدوره في تحقيق السلم والأمن الدوليين. أو أن تنظر بقية الدول في تأسيس منظمة موازية تكون اكثر مرونة وفاعلية في حماية مصالحهم وتحقيق الأمن والاستقرار لمناطقهم وبالتالي للعالم وتجنب أزمات امنية او عسكرية او اقتصادية وحتى اجتماعية قادمة. وقد تكون البداية عبر تأسيس منظمة أمنية عربية ثنائية القيادة (السعودية ومصر) وتمثل الدول العربية الراغبة في الانضمام لمحور الاعتدال العربي، وفق تصور مشترك يتم الاتفاق عليه منذ البداية لما هي المهددات وما هي آليات التعامل معها وفق اولويات ومصالح الدول الأعضاء والتحديات المرحلية. فتمثل المملكة العربية السعودية دول مجلس التعاون وغيرها من دول متوافقة معها في الرؤى والتوجهات بينما تمثل جمهورية مصر العربية الدول العربية في شمال افريقيا وغيرها أيضا من دول تتوافق معها في الرؤى والتوجهات، ومن ثم التوسع في هذه المنظمومة ووضع نظام أساسي مرن وقابل للتنفيذ يقوم على مبدأ الأمن التعاوني cooperative security لا على الأمن الجماعي collective security لتجنب الخلل والتقييد الحاصل حاليا في بعض المنظمات القائمة ولا يقوم على شعارات مثالية غير واقعية ولا تشترط تحقيق الإجماع التام لاتخاذ ما يلزم من قرارات مصيرية لحفظ أمننا ومصالحنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها