النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12180 السبت 13 أغسطس 2022 الموافق 15 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

إعلام اليوم يتبنى وظيفة غير إعلامية

رابط مختصر
العدد 12017 الخميس 3 مارس 2022 الموافق 30 رجب 1443

الإنسان في تسجيله لتاريخه اعتمد نهج تقسيم الماضي إلى عصور وحقب لأغراض معرفية تيسّر له الربط التسلسلي والتطوري على مدار الزمن من الماضي إلى الحاضر. كتب التاريخ والعلوم الإنسانية تعج بمسميات للعصور المختلفة، فهناك العصر البرونزي، والحديدي، والنفطي والنووي، ونمط آخر من التسميات هي العصور القديمة والوسطى والحديثة. بين كل هذه المسميات، الملفت للفضول المعرفي هو «العصور الوسطى» وهي عصور الظلام والتنوير. العصور الوسطى تتضمن نقلة نوعية من عصر الظلام إلى عصر التنوير أي عصر النهضة والاكتشافات بأنواعها..

عصر الظلام وعصر التنوير لهما موضع رمزي في عصرنا الحاضر، وهذا الموضع نتحسسه من بين مسميات العصور السابقة. مسميات العصور التاريخية توحي لنا باسم لعصرنا الحاضر، هذا العصر الذي أصبح فيه الإعلام مشاعًا مثل الهواء الذي نتنفّسه وبه نعيش. ليس من اسم أدلُّ على طبيعة عصرنا من اسم «عصر الإعلام». عصرنا الحاضر شبيه بالعصور الوسطى، عصري الظلام ومن بعد تلاه عصر النور أو عصر النهضة، بينما عصرنا الإعلامي ما زال في طور الظلام، ولا ندري متى ستشرق الشمس عليه.

إعلام اليوم فقد مهمته الأساسية التي تمثلت منذ ولادته بنقل الحقائق من موضعها المكاني والزماني إلى علم الناس، ولهذا سميت هذه المهمة بالإعلام، وهذا هو التعريف المبسط بالمختصر والموجز المفيد. اليوم انتقلت مهمة نقل الحقائق وإعلامها للناس إلى التعتيم على الحقائق، أو التلاعب بالحقائق، إما تجميلاً أو تقبيحًا..

إعلام اليوم على مذهبين، مذهب العامة ومذهب الخاصة، وكل منهما ادمر من الآخر، وعلى الهامش، حيث الاتباع قلة لا تذكر، هناك مذهب ثالث ضعيف هزيل مركون في زاوية العلم والأدب والمدارس الفكرية التي لا تمثل إغراءً للعامة ولا أهمية للخاصة.

مذهب العامة، الذي يضم غالبية الناس، إعلام يوفر للإنسان ما لم يكن في حسبان أساتذة الإعلام، وهو أن كل فرد يستطيع أن يختار ما تشتهي نفسه أن تسمع وترى.. إعلام السوبرماركت، وإعلام وولد دزني وإعلام ما وراء الحجب والأستار، وإعلام ما كان في عرف الماضي حرامًا ومحرمًا، وإعلام إشاعة الإباحة وما تحت الإزار. وهذا الإعلام وفر كذلك للفرد ما لم يكن يحلم به العامة من الناس؛ كل فرد يستطيع أن يسهم في نشر ما تشتهي نفسه من كلام وصور وأعمال سينمائية، من ألف الطهارة إلى ياء النجاسة، والأكثر الغالب من المساهمات الفردية والاهتمام الفردي ينحصر في مواد سطحية ساذجة وترفيهية بحتة تستهلك الوقت والجهد دون إضافة معرفية، ولا توجيه لتحسس دروب الحياة وأنماط العلاقات المثلى بين الناس؛ أعلام يوفر السبيل إلى الضياع دون خط للرجعة.

أما مذهب الخاصة، والذي يشكل النخبة العالية المتعالية ذو المصالح الكبيرة، فإنه إعلام يوجه العامة لتبني أفكار مطبوخة، وتصديق أكاذيب منمقة، يكون محصلتها مصالح الخاصة، ويتقبلها العامة دون وعي ولا إدراك بما يجري على أرض الواقع، وما الذي يدخل في جيب وما الذي يؤخذ من جيوب، ولا يستطيع أن يميز بين الجاني والضحية، أي أنه يتحول إلى أبله في الزفة.

المذهبان يكملان بعضهما بعضًا بنسق ومنهجية شيطانية لا مثيل لها، لا في التاريخ البشري ولا في التاريخ الطبيعي، ولا حتى في تاريخ إبليس.. هذا الإعلام متاهة مقرفة تحت ظلال الحرية، أنها متاهة الحرية، وصدقت الدكتورة أنيسة فخرو عندما أنشدت «أروم التحرر من متاهة الحرية» (مقتبس من كتابها «قل هو العشق» - القصيدة النثرية «يا ملاك حياتي…»).

الفرنسيون كونوا نظرة خاصة بهم بخصوص إعلام اليوم.. وسائل الإعلام أصبحت عندهم حمالة للقرف، ولربط القرف بالإعلام استثمروا المتشابهات من الكلمات والتي تتناغم فيما بينها فركبوا من كلمتين مختلفتين كلمة تعبر عن نظرتهم لهذا الإعلام. ركب الفرنسيون من كلمتي média التي تعني إعلام، وكلمة merde التي تعني قرف، كلمة merdia؛ الكلمة المركبة merdia (ميرديا) هي جمع بين الإعلام والقرف، والمعنى واضح لا يحتاج إلى ترجمة. أما بالعربية، وتقليدًا على ما عبر عنه الفرنساويين، فيمكن جمع كلمة «إعلام» مع كلمة «عتم»، أي أظلم، في كلمة مركبة هي «إعتام» بدل «إعلام»، وفعلاً ما تقوم وسائل الإعلام، التي من شأنها نقل الحقائق، فإنها تعتم على الحقائق، مما يدفع المتلقي أن يشعر بالقرف.. كلمة مرديا الفرنسية وكلمة إعتام العربية تعطيان معًا واقع ما يسمى بإعلام اليوم، أي إعلام العتم والقرف.

هذا الإعلام؛ لأنه وظيفي بحت مجرد من حرية الفكر والتفكير، ينشط ويزداد زخمًا وفحولة وفتوة مع سخونة السياسة، وخاصة إذا انزلقت السياسة إلى ساحات الحرب.. وبموازاة الحرب العسكرية تتفجر حربًا إعلامية أدواتها الكذب والتضليل، والناس تنزلق في وحل الأكاذيب المضللة وتتصارع فيما بينها رغم أنه ليس لهم في الحرب العسكرية لا نملة ولا حشرة.. لكن هكذا الإنسان له فراغ من الوقت لا بد من حشوه.. حشوٌ هنا وحشوٌ هناك، وكل حشوٍ راض بما يتذوق من شراب الكذب والأضاليل.. الحقيقة في مكان آخر بعيدًا عن الناس، بينما الناس تتقارع بما تهوى..

إعلامنا مثل هوائنا، كلاهما ملوث بفعل الإنسان على هوى الإنسان ومن أجل إشباع أنانية الإنسان.. الهواء الملوث يصيب الجسد بالمرض والوهن، والإعلام الملوث يصيب الإنسان بأمراض نفسية وذهنية أشد وطأة عليه من أمراض الجسد..

إن النفس الواعية حائرة تائهة أمام هذا الإعلام الذي تقمص وظيفة الكذب والتضليل، ويأبى أن يطمئن النفس بالحقائق، بل إنه يوغل متماديًا في الكذب والتضليل؛ ولسان حال النفس الواعية، الباحثة عن الحق والحقيقة، تئن بكلمات الحسرة والألم وفقدان الأمل: «يا منية النفسِ ما نفسي بناجية وقد عَصَفتْ بها أكاذيب الإعلامِ» مع الاعتذار للشاعر عزيز أباظة والموسيقار محمد عبدالوهاب (همسة حائرة).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها