النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

حرب استعراض العقوبات

رابط مختصر
العدد 12016 الأربعاء 2 مارس 2022 الموافق 29 رجب 1443

لم تشهد حربًا في التاريخ المحسوب هذا الكم من المعلومات، هذا العدد من العقوبات، وهذه الأرقام المؤكدة، لم تشهد حربًا ذلك الالتفاف، وتلك التجنيات، وهذا الانفلات العسكري واستعراض العضلات، والإمكانات، والقوى الغاشمة.

عندما دخلت روسيا حرب «إبادة» أوكرانيا لم يكن في تصورها أن الغرب الذي وعد يمكن أن يفِي، وأن «الناتو» الذي هدد قد يفقد رشده ويقبل بشكل طارئ عضوية 700 ألف كيلو مترًا إضافية في عضويته، ولم يكن لأشد المراقبين تشاؤمًا أن يتشاءم أكثر فأكثر فيصل به الحد إلى أن يرى بأم عينيه تلك الحرب وهي تطول، وهذه العقوبات وهي تتمادى، وذلك الأفق وهو ملبدًا بالدخان وزئير الصواريخ الباليستية وزمجرة المروحيات.

لكن ذلك كله تحقق على الأرض الأوكرانية، أو بسبب تعنت الممثل الكوميدي الشهير فولوديمير زيلينسكي، أو نظرًا لقلق بوتين الشديد على أمن «إمبراطوريته» القومي.

روسيا تهجم ويتوقع العالم نهاية سريعة للحرب، لذلك فإن الغرب في اليوم الأول لم يفرض أية عقوبات، فقط مجرد إدانات، تهديدات، تمنيات طيبة للشعب الأوكراني في زمنه الروسي الجديد، انتقد الممثل الكوميدي بدراماتيكية موجعة موقف الغرب الذين ورطوه ووضعوه أمام الدب الشرس وحيدًا من دون أنياب أو مخالب أو حتى «فرو» يعينه على برد الشتاء اللعين.

وما أن مرت 24 ساعة على الغزو الروسي الكبير، وما أن خرج اللاجئون من ملاجئهم متوجهين إلى الحدود البولندية والرومانية، هربًا من آلة الحرب الفتاكة، وما أن تأكد الغرب أن الممثل الكوميدي الشهير قد تحول فجأة إلى مقاتل برتبة رئيس، وإلى مجاهد أكبر بزي عصري، حتى بدأت الأصوات الأوروبية والأمريكية تعلو في سماوات «الميديا» المجنونة، سباق حول العقوبات، تجاوز الجميع السقوف المتوقعة، قفز فوق حقائق دامغة على الأرض.

تحول التلويح باستخدام سلاح «السويفت» إلى قرار جزئي، ومنع الطائرات والحجز على الأموال والممتلكات ومصادرة ما تيسر من تحويلات ومعاملات وصادرات وواردات من مجرد خيال مآتة على الحدود الروسية الأوكرانية، إلى قرارات فاعلة، تمامًا مثلما تحولت المساعدات المؤجلة من مجرد حبر على ورق، إلى سفن وأساطيل تنقل المعدات العسكرية والأسلحة الدفاعية والمواد الإغاثية إلى أوكرانيا «الصامدة».

تحول الرجل الضعيف إلى أسد يظهر في المشاهد «سيلفي» وسط «كييف» مخرجًا لسانه للدب «المندهش»، وبدلاً من إلحاحه المتواصل بالجلوس إلى مائدة بوتين «الذي مازال مندهشًا» من دون قيد أو شرط، نبتت لزيلينسكي أنيابًا، ومخالب، وصوتًا مرتفعًا، وأصبح لديه درعًا وسيفًا وما خفي هو أعظم.

تغير الموقف على الساحة الروسية الأوكرانية «360 درجة»، وأصبح الروس في موقف لا يحسدون عليه، فالأمل القريب أصبح «شبه بعيد»، والمن والسلوى والورود والرياحين التي حملتها الدبابات الروسية إلى الشعب الأوكراني تحولت إلى «هباءً منثورًا» في ضواحي العاصمة المهجورة، وفي موانيها الغارقة في الدماء.

هددت روسيا برد فعل نووي، وهي تمتلك أكبر ترسانة عسكرية في هذا المجال أكثر من 6350 رأس نووية فتاكة بالإضافة إلى طوربيد «يوم القيامة» الذي تطلقه غواصات شديدة الانفعال عندما تواجه عدوًا على مرمى حجر.

الغرب من جهته يصرح بوضوح أن لديه هو الآخر قوة نووية فتاكة وأن توازن الرعب لديه يمكن أن يكون محل اعتبار بعد أن أعلنت «جلوبال فاير» مؤخرًا بأن لدى الترسانة الأمريكية أكثر من 5625 رأسًا نووية وهي تكفي لردع السلاح النووي الروسي.

على أية حال، تحولت الحرب الروسية الأوكرانية، إلى ساحة لاستعراض القوى والعضلات، وإلى بازار كبير لاستلهام العقوبات والعقوبات المضادة، صحيح أن الروس لم يخرجوا حتى اللحظة كل ما في جعبتهم، وصحيح أن الغرب قد يخرج من خزائنه ما لا تُحمد عقباه، لكن الأكيد أن الحرب التي تدور رحاها وتعكر صفو الإنسانية آن لها أن تسكت، وآن لمشعلها أيًا كان أن يتوقف فورًا عن اللعب بالنار.

مهما كانت موازين القوى متعادلة شرقًا وغربًا، ومهما كان التفوق التسبي بين الطرفين يشجع على التمادي في إزهاق الأرواح، وإرهاق الإنسانية جمعاء، فإن رايات السلام لابد وأن ترفرف مجددًا على شواطئ البحر الأسود، وعلى ضفاف بحر البلطيق، وعلى منازل ووديان المهاجرين الجدد.

«وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً

وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها