النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12187 السبت 20 أغسطس 2022 الموافق 22 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

فن الحرب

رابط مختصر
العدد 12015 الثلاثاء 1 مارس 2022 الموافق 28 رجب 1443

«لن نتوانى عن دخول مجال الاستثمار في العملات المشفرة حال وجود البيئة القانونية المناسبة»، و«تطلعات الشباب وتطور عاداتهم الاستهلاكية هي من يرسم استراتيجية البنك المستقبلية»، و«تفكيرنا متجه للاستحواذ على شركات تقنية معلومات لدعم أعمالنا المصرفية»، و«اليوم فقط أمضينا أكثر من أربع ساعات في مجلس الإدارة نتعلم وندرس توجهات البنك ذات الصلة بالأمن السيبراني»...

هذه الأفكار ليست لشاب يافع حديث التخرج من جامعة أمريكية متقدمة استلم للتو منصب تطوير الأداء في بنك، وإنما للسيد مراد علي مراد، المصرفي المخضرم ورئيس مجلس إدارة بنك البحرين والكويت، قالها خلال مؤتمر صحافي أقيم مؤخرًا بمناسبة احتفالية البنك مؤخرا بذكرى مرور 50 عامًا على تأسيسه.

لقد شدني كلامه، بل تفاجأت به صراحة، فرغم أنه يعمل في بنك البحرين والكويت منذ 35 عامًا كما قال، إلا أن طرحه خلال المؤتمر لم يكن تقليديًا حول نسب الأرباح وقيمة الأصول وأسعار الفائدة والاستحواذ والتوسع فقط، بل كان طرحًا ينم عن عقل شاب متفتح جريء متابع لأحدث تفاصيل تطورات الصناعة المصرفية التي تتغير بسرعة كبيرة نتيجة الرقمنة والتكنولوجيا المالية ومنصات التمويل الجماعي واقتحامها من قبل شركات مثل آبل وغيرها.

رغم أثر جائحة كورونا الكبير على أداء المؤسسات المالية ككل، وغم عدم وضوح أفق تطور الصناعة المصرفية، ورغم تحديات التنافسية وضغوطات النمو، إلا أن السيد مراد كان برفقة الرئيس التنفيذي للبنك الدكتور عبدالرحمن سيف يتكلم بالعربية والإنكليزية بهدوء كبير، واتزان، وينير عقل السائل بأكثر مما هو متوقع من جوانب الإجابة.

لقد أتاحت لي ظروف عملي الاحتكاك بأشخاص من جنسيات ومستويات مختلفة، وأعتقد أن الهدوء والتروي والرصانة والرؤية الثاقبة تكاد تكون صفات عامة مشتركة بين جميع صناع القرار في دول الخليج العربي، الاقتصادي والسياسي والثقافي وغيره، تمامًا كما هي شخصية السيد مراد علي مراد.

فأجواء الحرب المشتعلة الآن بين روسيا وأوكرانيا أصابت العالم باستقطاب حاد، وصدرت تصريحات ومواقف لصالح هذا الطرف أو ذاك، بل إن دولا أرسلت جيوشها للقتال، لكن بقي الموقف الخليجي الرسمي متزنا، ينأى بنفسه ما استطاع عن هذا الصراع، بعيدًا عن العواطف والعنتريات غير محسوبة أو محمودة العواقب.

هذه الدول مشتغلة ومهتمة بالاقتصاد والتنمية ورفاهية شعوبها، وتنبع قراراتها من مصالحها الوطنية العليا في الاستقرار والازدهار، وبرامجها قائمة على ما تحققه حكوماتها للناس على صعيد التعليم والصحة والتوظيف والإسكان وغيرها، وليس عن طريق بروبغاندا إعلامية تخلق أعداءً وتبيع الناس الأوهام وتدفعهم إلى حتفهم جوعًا وفقرًا.

لا تخوض الحروب إلا إذا فرضت عليها، بعد أن تستنفذ كل وسيلة ممكنة لمنعها، وتقدم كل ما يمكن تقديمه من أجل تجربة الحلول السلمية، ليس على حدودها فقط، بل في محيطها الإقليمي أيضًا، كما فعلت المملكة العربية السعودية عندما صالحت الأفرقاء اللبنانيين في الطائف منهية بذلك 15 عامًا من القتال الدامي، وفاتحة الباب أمام لبنان عربي مستقبل مزدهر.

فبغض النظر عن التكلفة البشرية، فإن الحرب لها أيضًا تكاليف اقتصادية خطيرة من بينها الأضرار الجسيمة التي تلحق بالبنية التحتية، وانخفاض عدد السكان العاملين ونقص الموارد وزيادة الديون وانهيار السياحة وتدني أو تلاشي الاستثمار المحلي والأجنبي وتعطيل النشاط الاقتصادي بشكل عام، إضافة إلى فقدان مدخرات الناس وفقدان الثقة في النظام المالي، وإذا دمرت الحرب دولة ما وانخفضت القدرة على إنتاج السلع بشكل حاد، فيمكن أن تخلق ظروف تضخم مفرط حيث تقوم الحكومات بطباعة الأموال بشكل يائس لمحاولة التعامل مع نقص السلع.

يحدث هذا فيما تعاني البلدان التي تشهد حربًا، هناك أيضًا تكلفة تقديم المساعدات الإغاثية والإنسانية، وتكلفة الإنفاق العسكري، وتكلفة إعادة البناء بعد الدمار الذي خلفته الحرب، وتؤدي الحرب دائمًا إلى إرث من الديون وجيش من الجنود المسرحين.

بالمقابل يمكن أن تؤدي الحرب في كثير من الأحيان إلى ارتفاع أسعار النفط لأن الصراع الكبير يمكن أن يهدد الإمدادات، فعلى سبيل المثال، أدت حرب الخليج عام 1990 إلى ارتفاع أسعار النفط من 21 دولارًا للبرميل في يوليو من ذلك العام إلى أعلى مستوى لها بعد الغزو عند 46 دولارًا في منتصف أكتوبر من العام ذاته، كما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا حاليا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا، نظرًا لأن روسيا مورد رئيسي للنفط والغاز، كما أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا ستقلل من الإمدادات وستزيد أسعار الطاقة في الأسواق العالمية كلما اشتدت هذه العقوبات وطال أمدها.

لا زال كثير من الناس من تخصصات مختلفة وعلى مستويات كثيرة يطبقون أفكار «صن تزو» التي أوردها في كتابه «فن الحرب» قبل أكثر من 2500 عام، ومن بينها أنه يؤكد أهمية فهم اقتصاد الحرب قبل دخولها أو تأييد أحد أطرافها، ويقول إن الحملات العسكرية الناجحة تتطلب الحد من تكلفة المنافسة والصراع، وإن الحسم والسرعة عاملان أساسيان لكسب الحرب قبل أن يتضرر الاقتصاد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها