النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12135 الأربعاء 29 يونيو 2022 الموافق 30 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

فقــــه المســـــــتقبل..

رابط مختصر
العدد 12015 الثلاثاء 1 مارس 2022 الموافق 28 رجب 1443

نعود إلى الحديث عن المستقبل..

العودة لها مبرراتها خاصة بعد ان وجدنا كثيرون فى مواقع شتى من مواقع المسؤولية العامة والخاصة وهم يتحدثون عن المستقبل بمناسبة ومن دون مناسبة ودون أساس يعتد به، وقمة المأساة او الملهاة ان هؤلاء ممن ينطبق عليهم القول «فاقد الشئ لا يعطيه»، يحدّون او يعرقلون او يشوهون اي انطلاقة نحو المستقبل، فقط لأن اي انطلاقة حقيقية نحو المستقبل لن تكون فى صالحهم، بل ان هذه الانطلاقة اذا استهدفناها حقاً وفعلاً فانه يجب ان تبدأ باقتلاعهم فالمستقبل، والايمان بالمستقبل كما قيل ملك الذين يعدون له اليوم، ولمن يستطيع تخيله وتصميمه وتنفيذه والالتزام بما يقتضيه، وهذا يعنى دون لف او دوران ان العبور الى المستقبل لايمكن ان يكون بأدوات الماضي..!

المستقبل ما هو الا رؤية، رؤية من الأمل، هو تحديد للأهداف والأولويات، وهو الذى ينتمى اليه من يعدون اليه اليوم، جزءاً من التخطيط الاستراتيجي على كافة المستويات، والحاضر كما يقول الفيلسوف بليز باسكال ليس هدفاً، الماضى والحاضر مجرد وسائل، اما المستقبل فهو الهدف، والانطلاق نحو المستقبل أمر من بين اهم مرتكزاته الوضوح والخطط والاجراءات الواجب اتخاذها، وكم نحن بحاجة اليوم الى نظرة مستقبلية واعية فى اساليب الادارة والمالية والتكنلوجيا والاعلام والتعليم والصحة والسياحة والاقتصاد، وكل ما يتصل بإدارة شئون البلاد والعباد.

بالقدر ذاته، المستقبل يرتكز على معاينة حقيقية للمشاكل التى نعانيها، فاذا لم تأتِ المعاينة فى مكانها الصحيح، مع نظرة مستقبلية عميقة للواقع، ومراقبة حثيثة للمتغيرات، والتحلي بالجرأة فى تحديد الأهداف الطموحة، فانه سيكون متعذراً الانطلاق كما يجب نحو المستقبل خاصة فى عالم تتوالى فيه المستجدات والتحديات بسرعة مذهلة، من المهم واللازم والواجب ادراك ذلك جيداً.

هناك اليوم ما بات يعرف باستشراف المستقبل، والدراسات المستقبلية، او علم المستقبل، وهناك فى العديد من البلدان مراكز استراتيجية، او مراكز أبحاث ومؤسسات متخصصة بالدراسات التى تتنبأ بالمستقبل من خلال علوم الاستشراف والتحليل الجيوسياسي، وذهبت بعض الدول ومن ضمنها دولة الامارات العربية المتحدة الى تشكيل وزارات خاصة بالمستقبل واستشرافه، وابتعثت طلبة مواطنين فى هذا المجال وعملت على ادراج «استشراف المستقبل» ضمن المناهج الدراسية للمدارس الثانوية والجامعات، ودربت المعلمين على التحول من الفكر التقليدى الى الفكر الاستشرافي، وتأسست فى اكثر من بلد آليات مؤسسية متكاملة تضم باحثين وخبرات وطاقات فكرية وابداعية لاستشراف المستقبل الأفضل، كما تأسست جمعيات للتخطيط الاستراتيجى واستشراف المستقبل، وافتتحت دبى مؤراً متحف المستقبل خطط له بان يكون ملتقى للعقول ورسم خارطة الطريق لكافة القطاعات الاستراتيجية الرئيسية فى دبي ومواكبة المتغيرات وتجديد الخطط والأفكار والأدوات، فالمستقبل كما قال حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد لاينتظر بل يصنع، وهو لن بيكون لمن يملك المال فقط، بل لمن يملك الثروة المعرفية والقدرات المبدعة.

تلك وغيرها جهود تستهدف الوقوف على الثوابت التى تحكم المستقبل على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وبلورة اجتهادات علمىية منظمة تسعى الى صياغة مجموعة من التوقعات المشروطة والسيناريوهات وتحليل الاتجاهات والتوجهات المستقبلية، اتجاهات كبرى واتجاهات متفرعة واتجاهات محتملة، وعلى اساس ذلك تبنى مهارات وسياسات واستراتيجيات تتعامل مع التغيير، وتقوى القدرة على مواجهة التحديات، والالمام بمعنى الواقع والتوقع ومعرفة الاستفادة من الفرص وفتح الخيارات المستقبلية للسنوات الواعدة القادمة.

هذا كلام نوجهه الى ذلك النفر من المسؤولين الذى ما انفكوا يحدثوننا عن المستقبل حين يتحدثون فى كل شأن وأمر، ما من مشروع، او خطة، او برنامج او تصريح او كلمة فى مناسبة ما الا ويقترن بلازمة انه انطلاقة نحو المستقبل، على اي أساس هى انطلاقة نحو المستقبل وما هى الرؤى او الاستراتيجيات او السياسات او الالتزامات او الأدوات او الآليات والمنهجيات التى تنطلق بنا وبوعي

نحو المستقبل، لا احد يجيب او يوضح ويشرح ويقنع، لا احد..!

يمكن ان نعرض عينات كثيرة من تصريحات وأقوال اطلقت فى مناسبات شتى بشرنا فيه بعض المسؤولين بمشاريع وتوجهات و استراتيجيات وخطط ومشاريع وبرامج قيل الى حد هائل بانها تستهدف المستقبل الواعد، او تنطلق نحوه، او تتوافق او تنسجم مع رؤية البحرين 2030 التى اصبحت دون وعي تقحم فى كل شأن، وفى كل تصريح حول اي أمر، وكلام كثير لم يفرز الا ما يشبهه وكأننا نغرق فيه، وكأننا نتداول منتجات من السوق، واذا فسح المجال لكلام أحدث، بصيغ مختلفة يبقى كلام ليس فيه جديد، وهنا من الجدير ان نتوقف ونؤكد على ما يلي:

- للانطلاق الى المستقبل لابد من فكر جديد ووجوه وخبرات جديدة كاملة المواصفات تخلق روحاً جديدة تجدد الدماء فى شرايين مجتمعنا فى السطح وفى الأعماق، وان يكون المواطن حقاً وفعلاً غاية التنمية ووسيلتها، التنمية فى جوهرها بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعي والادارية والثقافية، وان يكون هناك ايمان حقيقي بهذه القضية، وتصور واضح لمراميها واهدافها وخطوات تنفيذها ومداها الزمنى.

- للانطلاق الى المستقبل، لابد من الابتعاد عن الشعارات والأهداف العامة الفضفاضة التى اخذت من الوقت والزمن والمال الكثير، بشرنا بها، وأطربت الأسماع، واستثارت حماسة البعض، ولكنها سرعان ما انطفأت ولم تغير من واقع الحال شيئاً، وجعلت الأمور مستمرة فى الدوران تراوح فى ذات المكان..!

-للانطلاق نحو المستقبل لا بد من التحلل أسر المفاهيم الضيقة والسياسات العقيمة والعناصر الفاشلة التى لا تبعث الا الضجر و لا «تنتج» اكثر من تأكيد ذواتها، لا تعرف الا إرضاء الأنا والذات، وكل الذين يكون لبقاؤهم ثمن فادح على المجتمع والحاضر والمستقبل..!

- للانطلاق نحو المستقبل، لابد من تعميق العلم والفهم والبحث العلمى والفكر الاستراتيجي والتقنيات الجديدة من منطلق انها جميعاً أساس بناء مجتمع عصرى يهئ متطلبات الدخول الى المستقبل والتخلص من كل أشكال الجهل النشيط..!

- للانطلاق الى المستقبل لا بد من الاستناد على قواعد الجدارة والاستحقاق ومن يعتمد عليهم فى حسن الأداء والادارة، وكل من يعززون من رصيد العافية فى واقعنا، وفتح الآفاق امام الأجيال الجديدة، كما لابد من ارساء قيمة المسؤولية فى الوعى العام وإعلاء مفاهيم وقيم ومعايير التقدم، والمواطنة، والمحاسبة والنزاهة والمحاربة الفعلية للفساد

-للانطلاق الى المستقبل لابد من الاستغناء عن الفاشلين والاعتماد على من يكونوا عنواناً للكفاءة والانجاز والقادرين على المضي بنا نحو ما تقتضيه عملية التجدد والتحديث والتطوير وتَحمّل المسؤوليات بجدارة.

- للانطلاق نحو المستقبل، لابد من ترسيخ دور التفكير الاستراتيجي، والتخلص من اللت والعجن والوعود الممنوعة من الصرف، والانتقال من خانة الكلام ومنظومة الوعود والشعارات فارغة المحتوى الى فضاء الفعل والانجاز..!

- للانطلاق نحو المستقبل لابد من نهوض حقيقي بنظام التعليم، والاهتمام النوعي بمخرجاته، وتحقيق الربط الفعلي بين التعليم والتنمية وسوق العمل، التعليم يحتاج الى ثورة وليس عمليات ترميم واصلاح..!

- للانطلاق نحو المستقبل، او صياغة المستقبل، او صنع المستقبل لابد ان يؤخذ فى الحسبان دور المجتمع المدنى كشريك فاعل ومؤسساته فى كل ما يصوغ ملامح المستقبل، والتعامل بوعي مع كافة العناصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتطورات التقنية التى تتكامل جميعها لجعل مجتمعنا متماسك يتيح لأعضائه كافة الحقوق وفرص المشاركة وتحمل الواجبات والمسؤوليات وتقديس سلطة القانون واحترام كرامة الانسان وإرساء ثقافة الاعتبارات بدلاً من ثقافة التفضيلات والميل والهوى والغرض وكل الاعتبارات إياها..!

باختصار.. الانطلاق للمستقبل لا بد من التخلص من خطايا الحاضر وسلبياته..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها