النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الحِجابوفوبيا.. من جديد

رابط مختصر
العدد 12010 الخميس 24 فبراير 2022 الموافق 23 رجب 1443

«امرأة الميترو المحجّبة»، عنوان مقال قديم في ركن بورتريه للصحافي الفرنسي «ليك لوفايان» بجريدة «ليبيراسيون» الفرنسية وفيه يصوّر نفسه وقد استقلّ في المساء الميترو عائداً إلى بيته، وفي العربة لاحظ سيدة محجّبة تقف في ركن من عربة القطار. فاسترهب الصحافي السيدة، وظنّ أنها طوّقت خاصرتها بحزام متفجرات وأنها على أهبة نسف نفسها داخل العربة. مما دفعه إلى مغادرة القطار في المحطة التالية... ولكن ما من شيء حصل مما خامره. 

هذا ملخّص مقال الصحافي، وهو مقال قديم، نستحضره كمثال على الدعاية للحجابوفوبيا من خلال الإعلام في شكله الورقي القديم أو في شكله السمعي البصري المعاصر أو في شكله العنكبوتي الجديد من خلال مواقع التواصل الاجتماعي...

نستحضر هذا المقال بعد أن انْتشر وَسْم «العدالة لهدى»، على مواقع التواصل الاجتماعي جرّاء ما تعرّضت له الطالبة هدى الجمعة البالغة من العمر17 عاماً، والتي أصيبت بارتجاج في المخ يوم الأربعاء 16 فبراير 2022، بعد أن اعتدت عليها ثلاث فتيات في مدرسة أوتاغو الثانوية للبنات، في مدينة دنيدن، جنوبي نيوزيلندا، بسبب ارتدائها الحجاب وقد جرَّدوها منه. 

نستحضر هذا المقال بعد أن تحوّلت الشابة «مسكان خان» البالغة من العمر 19 عاماً، إلى رمز للمقاومة بين الشابات الهنديات المسلمات اللواتي يكافحن ضد قرارات منع الحجاب؛ فقد أظهر مؤخرًا فيديو منتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تعرّض بعض الشبان الذين يرتدون أوشحة من القماش الأحمر المائل إلى البرتقالي (هندوس) إلى «مسكان خان» وحاولوا منعها من دخول الحرم المدرسي، لولا تدخّل عناصر من إدارة المدرسة. 

كما أظهرت فيديوهات أخرى تعرّض فتيات مسلمات متحجّبات للرشّ بالماء وهنّ في طريقهن إلى المدرسة أو الجامعة وذلك بعد قرار منع ارتداء الحجاب داخل قاعات الدرس في بعض الولايات الهندية.

ومع تتالي مثل هذه الحوادث، يطفو من جديد موضوع ارتداء المرأة المسلمة للحجاب في الفضاءات العامة داخل مجتمعاتٍ أغلبية أفرادها من غير المسلمين. حديث قديم جديد لم يقع الحسم فيه بشكل يضمن للجميع حقوقهم وواجباتهم، وإنّما ظلّ يتأرجح بحسب ميولات بعض السياسيين أو أصحاب القرار في هذه الدولة أو تلك ليكون ورقة من بين أوراق أخرى تستخدم لكسب أصوات أو شعبيّة قد يحتاجها بعض أصحاب القرار يوما ما. 

وللتذكير فإنّ قضية الحجاب اندلعت لأول مرة في فرنسا في أكتوبر من عام 1989، لما قامت إحدى المدارس بطرد تلميذتين رفضتا نزع الحجاب... وشيئا فشيئا استفحلت المشكلة وتعمّقت... ومع تنامي العمليات الإرهابية التى ذُكر فيها لفظ الجلالة، تحوّل «الحجاب» إلى رمز دينيّ يرى فيه أغلبية الفرنسيين «الظلامية» و«الاستعباد» و«الإرهاب» إلخ.. وانتشر في معظم دول أوروبا عداء للحجاب، وتحرّكت التشريعات في أكثر من دولة لتمنع الحجاب في الفضاءات العامة وفي المدارس والجامعات... ووصل الأمر إلى حدّ فصل بعض العاملات في المطاعم أو المتاجر لمجرد ارتدائهن الحجاب.

 ليس المجال هنا للخوض في مسائل فقهية تتعلّق بالحجاب، فلست بالمتخصّص، كما أنّ المجال هنا ليس للتدخّل في قرارات الدول وسياساتها في تنظيم المؤسسات والشأن العام في بلادها، فلست بالمتنطّع...

وإنّما المجال هنا للتأكيد على أنّ ارتداء الحجاب يبقى من مشمولات حريّة اللباس التي هي من الحريات الشخصيّة على أن لا يخلّ بالذوق العام وذلك من منطلق الحقوق الكونية والمعاهدات الدولية التي تربط بين الدول. 

قد يكون ما حدث لهدى الجمعة في نيوزيلندا حادثة معزولة، وقد لا يعبّر ما أتاه بعض الشباب الهندوسيين عن سياسة ممنهجة ومقصودة في اضطهاد فئة ما في المجتمع الهندي المتعدد الديانات والطوائف... لكن ما حدث مؤخّرًا هنا أو هناك يكشف من جديد عن عجز بعض المجتمعات عن استيعاب غيرها والتسليم 

بالحق في الاختلاف وضرورة التعايش السلمي وقبول الآخر وعدم الحكم عليه من خلال مظهره أوملبسه. 

في الوقت ذاته، أثبتت العديد من المجتمعات الإسلامية في المشرق والمغرب قدرة على التعايش السلمي وقبول الآخر دينيًا وثقافيًا وعرقيًّا... ولم نشهد ازدراءً أو اعتداءً أو عنفاً على أتباع الديانات الأخرى، ولنا في مملكة البحرين أرض التسامح والإخاء خير مثال على ذلك. 

  إذًا، فمن نافلة القول التذكير بأنّه لا علاقة للباس مهما كانت دلالته الثقافية بأيّ سلوك عنيف، ولا علاقة للحجاب الذي يميّز المرأة المسلمة بالإرهاب.. لكنّ حملة إعلامية غير خفيّة زادت في تأجيج الرأي العام العالمي هنا وهناك حتى تشكّل «الحجابوفوبيا» من خلال ربط الإرهاب بالإسلام من جهة، وارتباط الحجاب بالإسلام من جهة أخرى وهو ما جعل البعض يشعر بالخوف من الحجاب وكأنه عنوان من عناوين الإرهاب، حتى صار مجرّد رؤية امرأة متحجّبة في وسيلة نقل عام مؤذن بعمل إرهابي كما روّج لذلك طرح الصحافي «ليك لوفايان» الذي استحضرناه في رأس المقال كدليل على الدعاية للحجابوفوبيا من خلال الإعلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها