النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

أوكرانيا مجرد وسيلة والهدف إركاع روسيا

رابط مختصر
العدد 12010 الخميس 24 فبراير 2022 الموافق 23 رجب 1443

لكل شيء ثمن، ومن أراد أن يركب البحر لا يهاب الغرق، وهذا يعني أن الثمن قد يكون أقرب الى الانتحار. ركوب البحر دون التأكد من سلامة الوصول الى بر الأمان يعد مغامرة أقرب الى الطيش الذي يدفع الى الانتحار… وقادة أوكرانيا الجدد بعد الانقلاب الأخير يريدون ركوب بحر هائج الموج على مدى عمر هذا البحر. بحر يحده شاطئ الغرب المتمثل في تحالف الناتو بقيادة أمريكا، وشاطئ الشرق المتمثل في روسيا مع عدد من دول شرقية مثل الصين ودول في أوروبا الشرقية تجمعها مصالح مشتركة، وهواجس مشتركة من مخاطر الشاطئ الغربي، وتضمها جغرافيا متقاربة. بين الشاطئين مياه بحر عالية الموج وتياراتها متعاكسة وأمواجها متلاطمة وتملؤها اسماك القرش، والعبور من شاطئ الى شاطئ كالعبور من فوق فوهة بركان. قادة أوكرانيا يريدون عبور هذا البحر، وهم في الشاطئ الشرقي وتربتهم مع روسيا تربة واحدة، وتجمعهما أخوّة وثقافة مشتركة. يمدون اليد الى غرب يعادي الشرق، بينهما إرث من الاختلاف الثقافي والحضاري وتضارب المصالح منذ الحروب الصليبية مرورًا بالحقبة السوفييتية والى اليوم. إن عبور هذا البحر انتحار لأنه مستحيل، والحلم الأوكراني دغدغ مشاعر الغرب وأفزع مشاعر الشرق، وازداد هيجان الأمواج بين الشاطئين، وبالمعنى الجيوسياسي والاستراتيجي حفز الشاطئين استعدادًا لهذا العبور المستحيل. الشرق يتمترس على حدوده ويحذر الجار المتمرد من مغبة العبور، بينما الغرب يتلمظ طعم الخلاف بين الجارتين في الشرق. روسيا الشرقية منافسة قوية للغرب على ساحة الجيوسياسي وهي مؤهلة للمنافسة الاقتصادية بمعية حليف شرقي، وهي الصين، يتمتع بقوة اقتصادية له وزنه العالمي. هذا الوضع الذي أثاره الحلم الأوكراني يعكس وجهين متناقضين، فهو يعرض الجانب الروسي لخطر مصيري وحتى وجودي، بينما يفتح الباب على مصراعيه لفرصة ذهبية لاستثمار سياسي في صالح الناتو وأمريكا، ويساهم هذا الاستثمار في خلخلة البنية الاجتماعية وتقطيع النسيج السياسي وزعزعة الثقافة المشتركة في الشاطئ الشرقي ويدخل روسيا بشكل أساسي في صراعات داخل بيتها الشرقي. الإعلام الغربي يروج بأسلوب استفزازي بأن روسيا تعد لغزو أوكرانيا، وهي تحدد اليوم والساعة، بينما الجانب الروسي يقاوم هذا الاستفزاز، المحرض على الغزو، ويؤكد بانه ليس في وارد الروس القيام بعملية يتمناها الغرب بفارق الصبر، مما يعني أن الغرب يحرض ويروج لغزو روسي ضد أوكرانيا، وعندها يكون لكل حادث حديث. روسيا تدرك هذا جيداً، وتعي جيدًا أن أمريكا لن تتدخل لإنقاذ قادة أوكرانيا الجدد، ولكنها وبمؤازرة من الناتو والدول التي تدور في فلكها تحول أوكرانيا الى وحل تغرق فيه روسيا، مثلما حصل للسوفيات في افغانستان.

روسيا أمام خيارين كل منهما أسوأ من الآخر، السكوت عن دخول أوكرانيا في حلف الناتو، او الاضطرار الى غزو أوكرانيا، وكلا الخيارين يصبان في صالح أمريكا بشكل خاص وأساسي، والروس من جانبهم أمام هذا المأزق يرفضون انضمام أوكرانيا الى الحلف الغربي بشكل مطلق، ويقاومون التحريض لغزو أوكرانيا. الرؤية الأمريكية بالنسبة لروسيا هي محاصرتها عسكريًا من جميع الجهات حتى تشل قدرة روسيا العسكرية، او حتى تركعها مثلما فعلت مع اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية، هذه الرؤية تعود جذورها الى فترة السبعينيات في خضم الحرب في فيتنام… كان رأي أحد السياسيين الأمريكان أن جميع الغزوات ضد روسيا فشلت لأنها انطلقت من نقطة واحدة وتشتتت وهي تتقدم، ولكن عندما يتم محاصرة روسيا من جميع الجهات بقواعد عسكرية، فإن الغزو سيكون من نقاط عديدة حول الحدود الروسية، وتتركز القوى الغازية وتزداد قوتها مع كل تقدم الى الأمام. وهذا هو الحاصل اليوم تحت ذريعة طلب أوكرانيا الانضمام الى حلف الناتو. أهمية أوكرانيا بالنسبة للناتو هي أنها في خاصرة روسيا فقط، ولا يهم الناتو سلامة أوكرانيا او كونها عضوًا في الحلف.

الكرة في ملعب الروس، بينما أمريكا ووراءها الناتو يحركان الإعلام بأسلوب استفزازي وتحريضي مع تحركات سياسية، هنا وهناك، في اتجاه غزو روسي لأوكرانيا، لأن أمريكا تدرك مسبقًا أن الروس لن يقبلوا بانضمام أوكرانيا الى الناتو. والهدف الأمريكي من الغزو هو إرهاق روسيا وإغراقها في الوحل، وليس ضم أوكرانيا الى الناتو او اإقاذ أوكرانيا من الروس… أوكرانيا مجرد وسيلة، والهدف هو إركاع روسيا على المدى الأقرب من البعيد.

روسيا تدرك وتعي جيدًا الهدف الأمريكي من استفزازها لغزو أوكرانيا، ولكن ما السبيل الى نقل الكرة من ملعبها الى الملعب الأمريكي، بحيث يشعر الأمريكان أن هدفهم المرجو على المدى المنظور، تحت سماء موازين القوى النووية القائمة، ليس واقعيًا ولا منطقيًا ولا يمكن تحقيقه. هذا الشعور لن يتملك الأمريكان إلا في حالة إدراكها بشكل واضح أن المعادلة الروسية أمام الهدف الأمريكي هي «عليّ وعلى أعدائي»!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها