النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12132 الأحد 26 يونيو 2022 الموافق 27 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

بين أوكرانيا والسفير ستيفن سي بوندي

رابط مختصر
العدد 12008 الثلاثاء 22 فبراير 2022 الموافق 21 رجب 1443

تتضارب الأقوال حول دعوة العشاء التي وجهها السفير الأمريكي الجديد (ستيفن سي بوندي) لعدد من الشخصيات البحرينية في منزله، فبين قائل إن من أولويات عمل السفير ومهامه الدبلوماسية هي تعزيز علاقات الصداقة التاريخية بين بلاده والبحرين، ولتحقيق ذلك فقد كان عليه إجراء اجتماعات رسمية مع الجهات الرسمية في الدولة بعد أن سلَّم أوراق اعتماده سفيراً للولايات المتحدة الأمريكية في مملكة البحرين إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المفدَّى، إلا أنه بدلاً من دعوته لتنوعاً من الشخصيات البحرينية من مختلف قطاعات المجتمع قام بدعوة منظمات المجتمع المدني فقط لحضور حفل عشاء في منزله بحضور مسؤولة مؤسسات المجتمع المدني للشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية، وهو بهذا يكرِّر ذات الخطأ الذي قام به توم مالينوسكي مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان في الفترة من (2014م حتى 2017م) وهي الفترة التي شهدت سيطرة الديموقراطيين على الحكم، ودأب على حضور اجتماعات الجمعيات السبع فقط، وهو المعروف عنه قربه الشديد من جماعة الإخوان المسلمين، وعمل مديراً لمنظمة (هيومن رايتس ووتش) صاحبة التقارير المشبوهة ضد دول مجلس التعاون، وهو أحد أهم الشخصيات التي اعتادت تشويه صورة مملكة البحرين في تلك الفترة؛ مما أدى إلى توتر شديد في العلاقات البحرينية الأمريكية واعتباره شخصا غير مرغوب فيه ادت إلى حد قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم اعتذارها إلى مملكة البحرين في رد فعل دبلوماسي يندر حدوثه. 

وطرف آخر ينفي تماماً ما تمَّ تناقله بشأن تلك الدعوة ويرفض الإساءة إلى من حضرها والتشكيك في ولائهم إلى الوطن وقيادته، فيذكر بأن الدعوة لم تكن سوى دعوة عشاء عادية جداً تمّ توجيهها إلى أفراد بصفتهم الشخصية وليست بصفتهم أعضاء في مؤسسات المجتمع المدني، وأن ما تمّ تناوله خلالها لم يتجاوز قضايا الاقتصاد وجهود مملكة البحرين في مواجهة جائحة الكورونا وقانون العقوبات البديلة، ولم يتمّ التطرّق إلى أيّ قضايا سياسية، وأن نشر الأخبار الكاذبة والادّعاء بما لم يحدث خلال ذلك اللقاء إنما هو أمر متعمَّد من موقع (دلمون بوست)، وعلى إثر ذلك قامت إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية بتاريخ (16 فبراير 2022م) باستدعاء المسؤول عن موقع (دلمون بوست) وإحالته للنيابة العامة لترويجه خبرا كاذبا وتم الافراج عنه بكفالة. 

إلا أن أمر (دعوة العشاء) تلك في حد ذاته يثير عدد من التساؤلات: 

• لماذا قدَّم السفير (ستيفن سي بوندي) دعوة العشاء مباشرةً بعد تقديمه لأوراق اعتماده سفيراً في مملكة البحرين بتاريخ (3 فبراير 2022م) وحدَّدها في يوم (9 فبراير 2022م)؟ فمتى تعرَّف على شخصيات المجتمع المدني التي قام بدعوتها؟ 

• لماذا اقتصرت دعوة السفير الأمريكي على تلك الشخصيات فقط، ولم يقم بدعوة رجال الأعمال والتجّار لبحث العلاقات التجارية بين البلدين وتنميتها من تفعيل وتنشيط التبادل التجاري في إطار اتفاقية التجارة الحرّة بين البلدين؟ 

لو ربطنا ما قام به السفير بوندي بما يجرى من أحداث في أوكرانيا ودعوته للعشاء في البحرين - وان اختلف حجم الحدث - فسوف نجد أن الولايات المتحدة نصَّبت نفسها مدافعةً عن الديموقراطية وحقوق الإنسان وحماية حرية الرأي والتعبير في البحرين واوكرانيا اثناء وبعد الأحداث المؤسفة التي شهدتها البحرين في (فبراير 2011م) ومايجرى حالياً في أوكرانيا، والتي قد تؤدي تطورات الأحداث فيها إلى نشوب حربٍ عالمية ثالثة. 

وفي نظري أن الموقف الأمريكي في أوكرانيا ليست له مبررات حقوقية بعد التحوّل الديموقراطي فيها وتغلب عليه المصالح السياسية والعسكرية، إلا أنه للأسف لم يضع في حساباته الموقف الروسي الذي يضع الأمن والاستقرار على أراضيه فوق كل اعتبار؛ لذلك نحن أمام بعض الحقائق المهمة التي يمكن إجمالها في الآتي: 

• استراتيجية أمريكية لم تضع في حساباتها المواجهة المحتملة بروسيا عسكريا ودخول اوروبا في حرب شاملة ستكون خطوط دفاعها الاول عن عواصم اوروبا القديمة(لندن/‏ باريس/‏ برلين/‏ روما)، عدد من دول اوروبا الجديدة التي انضمت للاتحاد الاوروبي (بيلاروسيا/‏ سلوفاكيا/‏ المجر/‏ بولندا/‏ رومانيا) الى جانب توقف امدادات الغاز الطبيعي عبر الأراضي الأوكرانية وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. 

• موقف ألمانيا غير واضح حتى الآن من الأزمة، فقد تدفعها مصالحها الاقتصادية بعدم تأييد الموقف الأمريكي الذي يضرّ بمصالحها الاستراتيجية خاصة وان الموقف الامريكي المحتمل لعدم قيام حرب شاملة هو الاكتفاء بفرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية، وسيقابلها -دون شك- وقف ضخ الغاز الطبيعي إلى أوروبا وتدمير الاقتصاد الأوروبي ودخول العالم في (حرب باردة) جديدة أشدّ دماراً من الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي. 

أعتقد انه باستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية تهدئة الأزمة وتجنيب العالم حرب عالمية ثالثة مدمّرة إن أرادت ذلك بكل بساطة، عبر منع دخول أوكرانيا عضوا في الاتحاد الاوروبي وبالتالي (حلف شمال الأطلسي – الناتو)؛ حيث إن روسيا لا تقبل أن تكون أوكرانيا عضواً في (الناتو)، لأن هذه العضوية ستمهِّد لدخول قوات الناتو إلى الحدود الروسية الأوكرانية مباشرةً، مما يهدِّد أمن روسيا واستقرارها، إلا أن الرئيس الأمريكي جو بايدن -كما يبدو- قد اتخذ من شعارات حقوق الإنسان كما اسلفنا مبرراً لتحقيق أهدافه غير المُعلنة. 

ونحن هنا في مملكة البحرين نواجه ذات التحركات والتصرفات غير المسؤولة من الدبلوماسيين الأمريكيين على مدى السنوات الماضية، لتحقيق أهداف وأطماع لن تسلم منها بقية دول مجلس التعاون، بعد أن فشلت مؤامراتهم إبَّان الربيع العربي لتحقيق أهداف التغيير باستخدام شعارات حقوق الإنسان، في الوقت الذي تظل (إيران) تمارس انتهاكاتها ضد حقوق الإنسان دون رادع يُذكر، بل تمَّ الدخول معها في مفاوضات حول الملف النووي، والافراج عن ملايينها المحتجزة في البنوك الأمريكية، بما يتيح لها تنفيذ مزيد من العمليات الإرهابية في أرجاء الوطن العربي، واستمرار الحرب في اليمن، وزعزعة أمن واستقرار دول مجلس التعاون والدول العربية وخاصة مصر التي وقف شعبها أمام تلك المؤامرات التي لو نجحت لتمكَّنت من قلب كل الأنظمة العربية وتسليم عدد منها للإخوان المسلمين والعدد الآخر إلى نظام ولاية الفقيه! 

كان ذلك وسيبقى مخطط (إتاحة الفرص)، فبعد إتاحة الفرص للناصريين والقوميين والبعثيين والشيوعيين للحكم في الدول العربية منذ خمسينيات القرن الماضي، وفشلهم في تحقيق الأهداف والتطلعات الأمريكية، فهي تمنح الفرصة للإخوان المسلمين وأتباع ولاية الفقيه لتحقيق تلك الأهداف وقيام أنظمة حكم تعددية ديموقراطية إسلامية على النهج الإخواني التركي القريب فكراً ورؤيةً من نظام ولاية الفقيه الإيراني. 

وخلاصة القول، إن مملكة البحرين بقيادتها وشعبها الوفيّ ليهمها كثيراً إقامة علاقات جيدة ومثالية مع كافة دول العالم تقوم على مبادئ الأمم المتحدة، خصوصاً مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وذلك بعد تجارب سابقة مريرة غير مقبول تكرارها في إطار حُسن النوايا، وهو عين ما أوضحه معالي وزير الداخلية في تصريحه في (14 فبراير 2022م) والذي وضع النقاط على الحروف وحمل دلالات واضحة وقيّمة لا تقبل عودة عقارب الساعة إلى الوراء؛ فالمؤمن لا يُلدغ من جُحر مرتين؛ كما أن استدعاء سعادة وزير الخارجية الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني للسفير الأمريكي والتعبير عن تحفّظ البحرين بسبب تصرفاته التي تتنافى والأعراف الدبلوماسية، يؤكِّد بما لا يقبل الشك بأن مهمة السفير الأمريكي أصبحت تحت المجهر، وعلى مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية عدم اللعب بالنار، وأن يتعلَّموا الدروس من أوضاع العراق الحالية التي كانت الخطة الأمريكية تدّعي تحويله إلى (جنة الديموقراطية في الشرق الأوسط)؛ فالمصالح التاريخية وعلاقات الصداقة القائمة بين البلدين يجب أن تبقى هي الأساس المتين التي يتمّ البناء عليها! 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها