النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

الدولة الوطنية أو شركات التكنولوجيا الكبرى؟

رابط مختصر
العدد 12003 الخميس 17 فبراير 2022 الموافق 16 رجب 1443

في العام 2015 انتشر خبر اختراق جهات صينية لعدد من كبرى شركات التقنية الامريكية وتمت سرقة ملكيات فكرية وأسرار مهمة من الشركات الامريكية، وكان ذلك بمثابة القشة الاخيرة التي استدعت أن يحاول باراك اوباما توقيع عقوبات على الصين، ولكن بحسب ما ذكر أحد كبار المستشارين الاقتصاديين في إدارة اوباما وقتها أن عددًا من هذه الشركات تواصل مع الرئيس الامريكي يطلب منه عدم اتخاذ أي اجراء ضد الصين؛ لأن الضرر الذي سيلحق بهم سيكون أكبر بكثير من ضرر الاختراق الخطير الذي تعرضوا له لأنهم بحاجة للسوق الصيني والمصانع الصينية وغيرها من أسباب دفعت اوباما وقتها للتراجع والخروج ببيان مشترك مع الرئيس الصيني يعلنان فيه أن الصين وامريكا تتعهدان بعدم قيامهم بأي سرقات سيبرانية كما أسموها. 

أذكر هذه القصة في وقت تشتد فيه (الحرب الباردة) بين تيار يحاول حماية وتعزيز دور «الدولة الوطنية» على أساس أن دورها يعتبر ركيزة للنظام العالمي وبين تيار آخر تقوده كبرى شركات التكنولوجيا يحاول نسف النظام الحالي واستبداله بنظام لا دور فيه للدولة الوطنية إنما تقوده هذه الشركات العابرة للحدود والتي تمتلك أدوات صناعة المستقبل ومن وجهة نظرهم يمتلكون ايضا قيم عالمية يجب عليهم نشرها وفرضها أن تطلب الأمر. 

وما التذكير بما تعرض له الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب سواء خلال فترة رئاسته التي واجه فيها هذه الشركات وحاول أن يحد من تأثيرهم ونفوذهم وينظم عملهم وما انتهى به المطاف من عزله (افتراضيًا) وحرمانه من استخدام أدواتهم إلا مثال آخر على محاولتهم فرض نظام عالمي جديد يقررون فيه من يتواصل مع الشعوب وكيف ويعزلون من لديه توجهات تتعارض معهم حتى وإن كان منتخب من أكثر من 70 مليون امريكي، فهذا النظام الذي يحاولون تثبيته لا يقوم على مبدأ الديمقراطية إنما هو حكم الأقلية للاغلبية؛ لأن أصحاب القرار الفعليين هم عدد محدود من ملاك ومسؤولي هذه الشركات، وهم طائفة محصورة الفكر والعدد ويعيشون في فقاعتهم التي يسمعون فيها صدى أصواتهم ويعتقدون أن العالم أما يتبنى أفكارهم ويدعمها او متخلف يحتاج لوصايتهم عليه، بعكس الدولة الوطنية التي تدير التنوع المجتمعي لديها بكل مسؤولية وتوازن. 

ووصلت حدة الصراع مرحلة غير مسبوقة أصبح فيها الاستغناء عن هذه الشركات شبه مستحيل، بل أصبح الاعتماد عليهم هو الأصل في كثير من الأمور التي تدخل في صلب عمل الحكومات والدول، فهذه الشركات أصبحت تقدم الخدمات الأمنية والصحية والاجتماعية والتعليمية بشكل أفضل وأسرع من قدرة الحكومات على مسايرته وبعيد عن رقابة وتنظيم الدولة. ومع زيادة اعتماد الحكومات على ما توفره لهم هذه الشركات من خدمات أصبحت المعادلة غير متوازنة، فبدل أن تعتمد هذه الشركات على دعم الدولة لهم ورعايتهم، انقلبت الموازين وصار اعتماد الحكومات عليهم أكبر وهو ما يهدد مصالح الدولة الوطنية وأمنها القومي، ففي 2020 أعلنت أمازون أنها ستحظر وتتوقف عن تزويد الشرطة الامريكية برنامج التعرف على الوجود الذي تعتمد عليه الحكومة لمدة سنة تضامنًا مع «حركة حياة السود تهم»، مما عطل قدرة الشرطة على التعرف على المجرمين والقيام بدورها في تنفيذ القانون وحماية المجتمع! 

مؤخرًا، صعدت أوروبا المواجهة عبر محاولتها تعديل قوانين حماية البيانات الشخصية والتشدد فيه بشكل يمنع هذه الشركات من استخدام او إخراج أي بيانات تخص مواطنين الاتحاد الاوروبي خارج دول الاتحاد مما دفع شركة ميتا (فيسبوك سابقًا) بتهديد أوروبا بشكل مباشر بأنها تدرس منع تقديم خدماتها وبرامجها في دول الاتحاد الاوروبي لو مرر الاتحاد الاوروبي التعديلات المقترحة على القانون، فصرح وزير المالية الفرنسي في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الالماني بعد تهديد فيسبوك بتصريح أجد نفسي أتوافق تمامًا معه، حيث قال «أستطيع أن أؤكد أن الحياة جيدة جدًا من دون فيسبوك» بينما قال وزير الاقتصاد الالماني روبرت هابيك «بعد تعرض حسابي لاختراق تعايشت لمدة أربع سنوات من دون فيسبوك ولا تويتر والحياة كانت رائعة». 

بينما يصعد الاتحاد الاوروبي المواجهة ومحاولة ترويض وتطويع هذه الشركات، الأمر مختلف في امريكا لأن أغلب هذه الشركات أما شركات امريكية او صينية ولا تمتلك اوروبا الريادة ولا المنافسة في هذا المجال، أما امريكا فهي واقعة في كماشة صعب التعامل معها، اقتصادها ومصالحها القومية تعتمد على هذه الشركات ولكنها لا تستطيع توجيهها ولا فرض سياساتها عليها بل ما يحدث هو العكس تمامًا، فهذه الشركات هي من تملك التأثير على سياسات الإدارة الامريكية وغيرها من حكومات إما بشكل مباشر او غير مباشر عن طريق تقديم أدوات التأثير للشعوب في مرحلة نعاني فيها من تراجع المعايير والقيم والاخلاق والمبادئ مقابل تغول الفوضى والشعبوية او «تكنو-شعبوية» كما كتب عنها د. مأمون فندي في مقالته السابقة في الشرق الاوسط. 

الصين على الجهة الأخرى تبنت مؤخرًا سياسات غير مفهومة إلا من منظور حماية دور ومكانة «الدولة الوطنية» فضيقت الصين على شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى لديها مثل alibaba و ant group من أجل أن تتوافق توجهات هذه الشركات مع الأمن والمصالح القومية للدولة. فشركات التكنولوجيا الكبرى تنقسم لثلاثة أنواع او توجهات كما صنفهم ايان بريمير الكاتب والخبير في العلوم السياسية عبر مقالته المنشورة في العدد السابق للفورين افيرز. المجموعة الاولى ذات توجهات عالمية globalist وهي مثل شركة أبل يهمها السوق العالمي أكثر مما تهمها مصالح الدولة التي يوجد فيها مقرها والمجموعة الثانية فهي شركات ذات توجهات وطنية nationalist مثل هواووي الصينية ومايكروسوفت الامريكية بحيث تتوافق توجهات هذه الشركات مع سياسات ومصالح الدولة، أما المجموعة الثالثة وهي الأخطر فهم الشركات ذات التوجهات التكنو-طوباوية techno-Utopianism او التي تستخدم التكنولوجيا كوسيلة ثورية لتحقيق اهدافهم وتصوراتهم غير الواقعية والمثالية من وجهة نظرهم. 

اأما في الشرق الاوسط، فلا نملك مثل هذه الشركات ولسنا بمثل قوة وتنظيم الاتحاد الاوروبي الذي يتفاوض معهم ويواجههم كسوق مشتركة وسياسات موحدة، فلن نملك فرض تشريعاتنا وسياساتنا المحلية على هذه الشركات العابرة والمهيمنة على الحدود إلا اذا تحركنا بشكل جماعي على المستوى الخارجي في مواجهة هذه الشركات عبر فرض اشتراطاتنا وما يتوافق مع مصالحنا وقيم مجتمعاتنا ويضمن استقرارنا، وكذلك على المستوى المحلي عبر توظيف الأدوات الصحيحة والحديثة في التواصل مع بعضنا البعض كمجتمعات وأفراد وحتى مؤسسات، فهذه الشركات تقول للشعوب أنا البديل عن الحكومات والدولة الوطنية وأنا المرجعية الاخلاقية لا هوياتكم الوطنية التي هي سبب الصراعات -من وجهة نظرهم- ولن تستطيع أن تقدم لكم دولكم الخدمات كما نقدمها لكم بشكلها المتطور والحديث بما يغير أسلوب حياتكم. 

إلى أن أتت جائحة الكورونا وأعادت هيبة وأهمية دور الدولة الوطنية في ضبط وتنظيم المجتمعات وتخبطت الدول التي تعتمد على هذه الشركات في تقديم الخدمات للمواطنين بينما تفوقت الدول الوطنية في التعامل مع الأزمة ولكن بسبب امتلاك هذه الشركات لأدوات المستقبل فعادت بسرعة الى الواجهة عبر تقديمها لبرامج وخدمات لتمكين الأفراد من الاستمرار في حياتهم وفق الواقع الجديد الذي فرضته الجائحة واحترازاتها عبر تقنيات التواصل عن بعد والجواز الصحي وغير ذلك مما جعل هذه الشركات تعيد تشكيل بيئة العمل وأسلوب الحياة وحتى طريقة تفكيرنا، فبالإضافة للاجتماعات والتعلم عن بعد وما سبقه من التسوق الالكتروني نجد أنفسنا نفكر كما توجهنا هذه الشركات والتقنيات، فمثلاً محرك البحث غوغل يكمل عنا الجمل قبل أن نكتبها ويوتيوب يظهر لنا ما نود مشاهدته من دون أن نكتب حرف وانستغرام وتيك توك يعرضون علينا ما نبحث عنه قبل أن نبحث عنه وكذلك تفعل نتفلكس وغيرها عبر فرض مبطن ما يجب علينا من وجهة نظرهم أن نكون عليه عبر التكرار المكثف وخوارزميات الذكاء الاصطناعي المخيفة، كممارسة غير مسبوقة في توجيه وتشكيل سلوك الأفراد وطريقة تفكيرهم. 

وما تغيير اسم وتوجه «فيسبوك» الى «ميتا» إلا مؤشر للمرحلة القادمة وما سيكون عليه العالم وما سنصل له من تطور تقني غير مسبوق، سيوظف سرعة وانتشار الانترنت وضعف تنظيمه دوليًا وتقنيات 5G وانترنت الأشياء لفرض مرحلة الميتافيرس «metaverse» او الواقع الافتراضي المعزز والذي يعيش فيه الأفراد بشكل متوازي مع العالم الواقعي، وفيه العملات والأصول المشفرة او الرقمية ويمتلك فيه الناس أراضي ويبيعون الأصول (الافتراضية) وتنتقل الملكيات عبر non-fungible tokens (NFTs) ويحضرون اللقاءات والاجتماعات بشكل افتراضي تمامًا كما يفعلون في الواقع ولكن من غير اي تنظيم ولا قيود ولا دور للدول والحكومات، فهل نحن مستعدون لمواجهة هذا التحدي؟ هل نمتلك الاستراتيجيات المناسبة والاستباقية للتعامل معه؟ وهل نملك أدوات التعامل مع نظام عالمي لا دور فيه للدولة الوطنية؟

شخصيًا أرى أن تستعين - مؤقتًا - دول رباعي الاعتدال العربي (كونهم يمتلكون رؤى مشتركة ومصير مشترك او كما يطلق عليهم like-minded states ويؤمنون بدور واهمية الدولة الوطنية) بمؤسسات الجيش لديها لتأسيس شركات تكنولوجية توفر لهم احتياجتهم في هذا المجال وتكون مركز للأبحاث والتطوير قبل أن تعهد هذه المهمة للقطاع الخاص كما فعلت الدول الكبرى وأصبحت حاجة هذه الدول للشركات التكنولوجية اكبر من قدرتها على السيطرة عليهم وتوفيق مصالحها القومية معهم، إنما لا مانع من مشاركة القطاع الخاص لتسريع التقدم في هذا المجال الى أن نصل لآلية المناسبة التي تحفظ التوازن بين الدولة الوطنية كركيزة للنظام العالمي وحرية السوق والتنافسية التجارية ومصالح القطاع الخاص التي تتداخل مع المصالح القومية للدولة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها