النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12135 الأربعاء 29 يونيو 2022 الموافق 30 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

ريان.. الذي نبهنا دون أن يدري..!

رابط مختصر
العدد 12001 الثلاثاء 15 فبراير 2022 الموافق 14 رجب 1443

تابعنا قضية الطفل المغربي ريان وكيف قضى ساعاته الأخيرة في البئر التي انحشر فيها لأيام عدة..

في شأن هذه القضية هناك ما هو مبهر ومؤلم في آن واحد، المبهر تلك المشاعر الانسانية الجامعة في حالة وصفت بأنها غير مسبوقة، العالم كله كان مشدود الانتباه الى هذا الطفل ابن السنوات الخمس الذي حرك مشاعر العالم، وجدنا الكل دون تفرقة عرقية او جنس او لون او دين وهم يتابعون عملية محاولة انقاذ ريان في حالة تضامن وتعاطف واهتمام لافتة وغير مسبوقة، الكل يتابع ويتمنى ان يخرج ريان بسلام من البئر، القنوات التليفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي والصحف الالكترونية والورقية أفردت مساحات واسعة في المتابعة والرصد لمجريات الحادثة طوال خمسة ايام بلياليها محققة نسبة من المشاهدات العالية على كل منصة من منصات الاليكترونية، كما وجدنا الصدمة وحالة الأسى التى عمّت الجميع بعد النهاية الحزينة وانتشال الطفل ميتاً، وكأن هذا الطفل استخرج انسانية العالم وسط ركام الضمائر الضائعة والتالفة التي لا تعرف للانسانية معنى، واكد ان الانسانية ما تزال بخير بعد ان فجر مشاعر المودة والتعاطف بين الشعوب، وجعل كثر من الناس يتذكرون انسانيتهم المنسية، الانسانية التي لا تعرف ديناً ولا مذهباً ولا جنسية ولا قومية، وكما قال سقراط الانسانية ليست دينًا انما رتبة يصل اليها بعض البشر.

اما المؤلم في شأن هذه القضية فقد تمثل فى أمران، الأول هو ظهور من اراد استغلال قضية ريان وتعاطف العالم معه، محتالين تخصصوا في جمع التبرعات والهبات، فتحوا على منصات التواصل الاجتماعي حسابات باسم «اورام» والد الطفل مستغلين مأساة ابنه وحالة التعاطف الواسعة مع مأساته، وخرج الرجل لينفي صلته بأي عملية لجمع التبرعات ويقول انا في مصيبتي وهناك من يريد ان يستغلنا «، ويضيف» استغلونا أنا وابني تحت الأرض لينصبوا باسمنا على الناس دون ضمير «، وكأن الرجل يؤكد المؤكد وهو ان هناك من لم تدركهم الانسانية، لا يعرفون لها قيمة، ينصبون على الناس ويحتالون عليهم ويستثمرون أزماتهم ويحولونها الى فرص..!

ذلك يستدعي وقفة، الذين يستثمرون معاناة الناس والآمهم وأوجاعهم وأزماتهم ويحولونها الى فرص يستفيدون ويربحون منها ويفتحون لها آفاق جديدة هم كثر بيننا، هم في المشهد دائماً، في كل مكان وزمان، يريدون ان يعيش الناس دوماً في عتمة كالحة من الكراهية والهمجية والإفلاس الانساني والعجز الاخلاقي، وان تتنامى الضغائن والأحقاد والفتن بشكل لا يعرف للقيم الدينية والاخلاقية والانسانية معنى، أوفياء لأصولهم الانحطاطية و لذلك هم يتعطشون دوماً الى ما ينغّص حياة الناس ويجلب لهم الكوارث ويجعل حياتهم اكثر تعقيداً، اكثر بؤساً وتشوهاً، يفتحون ابواباً لاستثمار أزماتهم، انهم جائحة من نوع آخر، ولذلك فهم البلوة والابتلاء.

نذكر كيف انشغل العالم وتعاطف مع قضية الطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي قتلته رصاصات اسرائيلية غاشمة وهو في حضن أبيه، وكذلك الطفل السوري ايلان الذي لفظته مياه البحر على احد الشواطئ اليونانية بعد رحلة محفوفة بالمخاطر من رحلات الهجرة غير الشرعية، او قضية الطفل السوري المخطوف فواز القطيفان الذي اختطفته عصابة من الوحوش الآدمية، ومن شاهد فيديو التعذيب الذي تعرض له هذا الطفل والذي بث عبر بعض مواقع التواصل ويسمعه وهو يصرخ

«مشان الله لا تضربوني» يصل الى قناعة بأنواع اخرى من آبار البشاعة التي ترتكب ضد الطفولة،

وفي هذا السياق يمكن التذكير بقضايا اخرى عديدة، من المؤكد ان التعاطف مع ريان كان صداه اوسع واكبر والقلق عليه اعظم ربما لأنه كان ينبض بالحياة، وحبس أنفاسنا وأنفاس العالم على مدى عدة أيام كانت الآمال معقودة بأن يظل حياً، وربما لانها قضيتة انسانية لا علاقة لها بالسياسة ولا بما يمكن ان يكون موضع خلاف او اختلاف، هو في كل الأحوال ذكرّنا بالبؤس الذي يعيش فيه اطفال في مواقع شتى عالقين في آبار منسية تعبر عن كل أوجه المعاناة المريرة يقابله عجز عن فعل شيء حيالهم..!

الأمر الثاني فهو ان وسائل الاعلام، القنوات العربية وغيرها التي لعبت دورًا مهماً في تغطية ومتابعة مجريات واقعة ريان هي ذاتها تقريباً التي غضت النظر عن الاف وربما ملايين الضحايا من الاطفال في فلسطين والعراق وسوريا واليمن والصومال وغيرها من البلدان والمناطق المنكوبة، اطفال هم في امس الحاجة الى عمليات انقاذ وانتشالهم من آبار صراعات ونزاعات عبثية واوضاع تؤدي بهم الى الموت من الجوع والعطش والبرد القارس وأقصى انواع البؤس والاهمال والشقاء، ووصل الحال كما شهدنا الى ان يكون حلم تلك الطفلة التي كان كل حلمها خيمة تأويها لا اكثر..!

محزن وموجع وفاة الطفل ريان الذي استطاع بمعاناته ورحيله ان يخلق حزن جمعي وان يوقض المشاعر الانسانية وكأنها صحت من غفوتها، ريان اصبح عنواناً لملحمة انسانية في زمن يطغى عليه التنكر للانسانية، زمن لازال فيه من لا ضمائر لهم يتحركون ويعبثون بكل القيم والكرامات الانسانية ويضربونها في الصميم، وان تحرك بعضهم فبدافع الانتهازية السياسية او الاعلامية التي تسرح وتمرح على اختلاف انواعها، هذه وغيرها يبدو انها دالة على انسانية منقوصة لأنها لم تتحرك تجاه مآسٍ وجرائم ضد الانسانية، وأوضاع كارثية لأطفال عرب وغير عرب في العديد من البلدان، لم يلتفت اليهم احداً، لا وسائل اعلام ولا تواصل، ولم تسلط جهة ما اي ضوء عليها وكأن من يعيشون هذه المآسي والأوجاع والجرائم لا قيمة لهم ولا اعتبار..!

مأساة ريان حركت شجوناً كثيرة، وارسلت الى العالم رسائل شتى تحرك الضمائر، وفيها من الدروس والعبر ما ينبغي ان يستخلص، ومن اهم ما يجب ان نستخلصه عدم اغفال ما يحدث وان يظهر العالم انسانيته تجاه باقي الاطفال في عالمنا الفسيح المليء بالظلم والاستبداد، هم اليوم تحت أنقاض آبار عميقة من البطش والتوحش والصراعات والفقر والتشرد وآن الأوان لإخراجهم من الأوضاع المزرية التي يعيشونها، يكفي ان نعلم ان الامم المتحدة في بيانات لها تكشف ان هناك 19 مليون طفل مشرد في العالم الأكثر عرضة لمخاطر جائحة كورونا، و175 مليون طفل غير مسجلين في التعليم، و426 مليون طفل يعيشون في بلدان متضررة من النزاعات هم بحاجة الى توفير الغذاء والملبس والرعاية الصحية والإيواء، ويضاف الى ذلك ما اعلنته مؤخراً اليونسيف من معلومات مثيرة للقلق بشأن الاطفال اللاجئين الذين يريدون النزوح في بلاد غير بلادهم والذين بلغ عددهم 35 مليون طفل في عام 2020.

ياترى هل تتحرك انسانية العالم تجاه معاناة كل الاطفال الذين يطاردهم الموت في شتى البقاع، واولئك الذين يتعرضون للتنكيل والاضطهاد والحصار وكل ما يقع تحت وطأة اللاإنسانية، الخلاصة ان هناك حقائق غابت عن الجميع نبه العالم لها طفل رحل عن الدنيا دون ان يدري..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها