النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12187 السبت 20 أغسطس 2022 الموافق 22 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

رواية القصص

رابط مختصر
العدد 12001 الثلاثاء 15 فبراير 2022 الموافق 14 رجب 1443

قصة الطفل المغربي ريان رحمه الله شدت انتباه العالم وجعل ملايين الناس يتسمَّرون خلف الشاشات لخمسة أيام يتابعون عملية إنقاذه وينتظرون خبر نجاته، بعدها كانت لدينا قصة «بائعة النعنع» المصرية التي هجرها زوجها وفضلت أن تكسب قوتها وقوت طفلها من بيع النعنع في شوارع القاهرة، وقبلها قصة كريستيانو رونالدو الذي دفع بزجاجاتي كولا من أمامه خلال مؤتمر صحافي ناصحا الناس بشرب الماء بدلا من الكولا، وقصة الأمريكي الكهل الذي طار بصاروخ صنعه بنفسه في صحراء موهافي بولاية كاليفورنيا ليلتقط صورا يثبت من خلالها معتقده بأن الأرض مسطحة لكن صاروخه تعطل وهوى به إلى الأرض فمات، وغيرها الكثير من القصص التي لا تسعفني ذاكرتي بها لكن الناس حول العالم يتداولنها بشدة وتحدث تأثيرا كبيرا عليهم.

في الواقع، منذ فترة وأنا أفكر وأحلل: لماذا جذبت قصة الطفل ريان كل هذا الاهتمام العالمي فيما مئات وربما آلاف الأطفال من أقرانه حول العالم يموتون يوميا في ظروف مشابهة نتيجة الحروب والخطف والأمراض والمجاعات والاعتداءات وغيرها؟ ولماذا سطع نجم «بائعة النعنع» المصرية رغم أن نساء كثيرات حول العالم يفترشن أرصفة المدن والقرى لبيع النعناع وغيره؟ وهل يمكن اختلاق قصة تبدو عفوية يقوم من خلالها نجم سباقات الفورمولا 1 مايكل شوماخر الذي خرج من المستشفى مؤخرا بالتحذير من مشروبات الطاقة مثلا وأثرها على التوازن عند التزلج على الجليد على غرار ما فعل رونالدو مع كوكا كولا؟

أسعى لوضع إجابات علمية دقيقة ما أمكن لهذه الأسئلة، وليس مجرد تسجيل خلاصات سريعة ناتجة عن انطباعات شخصية كتلك التي تجدها على تويتر أو فيسبوك، لأن هذه الإجابات من شأنها تحقيق نتيجتين، الأولى بناء نموذج علمي للمساعدة في تكوين فهم عميق لأسباب وآليات تحرك الرأي العام تجاه قصة ما، والثاني إمكانية تأليف وإنتاج قصص مماثلة. ولم لا طالما أن الهدف النهائي هو خير البلد أو البشرية جمعاء؟

وفي الواقع يقدم فيلم «لا تنظر للأعلى» الذي أنتجته نتفلكس مؤخرا درسا في التسويق ورواية القصص حول كيفية تشكيل أو تشتت الرأي العام العالمي في عصر السوشيال ميديا، وكيف يتداول الناس القصص ويشكلون مواقفهم بناء عليها، فحتى لو كان الأمر بحجم كوكيب يتجه نحو الأرض ليدمرها عن بكرة أبيها نرى أن هناك أناس ينجحون بغرابة في السيطرة على عقول جزء كبير من الجمهور ودفعه لـ«النظر للأسفل».

أصل إلى لب المقال هذا الأسبوع، وهو أن لدى مملكة البحرين قصص تميز وتفرد بارزة لن أتوسع كثيرا بذكرها، لكني أحصر حديثي هنا عن قصتين اثنتين فقط برزتا في الآونة الأخيرة، الأولى أن البحرين هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لا تفرض ضرائب أرباح على الشركات، والثانية هي طرح الإقامة الذهبية، والبحرين لن تحقق الفائدة المرجوة تماما من هاتين القصتين إلا من خلال الترويج لهما خارج حدودها لأن هدفهما الأساس هو جذب المزيد من الاستثمارات والمستثمرين ودعم النمو الاقتصادي الذي ينعم به المواطنين في نهاية المطاف وخلق المزيد من فرص العمل لهم، إلا أن الترويج لهاتين القصتين يمكن أن يكون أفضل بكثير إقليميا وحتى دوليا عما هو عليه الآن.

هل هناك مجال لرواية قصص مميزة حول هاتين الميزتين بدلا من الاعتماد على الطرق التقليدية في الترويج حتى وإن بدا بعضها مبتكرا؟ هل يمكن أن ننتج فيديو عفوي نجعله يلف الواتس اب حول العالم؟ هل يمكن أن نبتكر طريقة تجعل أنظار العالم مشدودة لقصتنا لفترة من الزمن؟

ذكرت في مقال سابق لي أنه إذ كان «نصف الحكم هيبة ونصفه إعلام» فإن «نصف الاقتصاد تخطيط ونصفه الآخر ترويج»، فكثير من التجارب أمامنا لدول تسوق لمشروعات في الصحراء أو الجبال أو الفضاء وكأنه جرى تنفيذها بالفعل، تستهوي أفئدة الناس وخيالهم بما في ذلك المستثمرين، وتكتفي بتهيئة البيئة التنظيمية والتشريعية واللوجستية، لتتهافت بعد ذلك الشركات والمستثمرين على التنفيذ، دون أن تنفق الحكومة من جيبها فلس واحد، لتسجل هذه المشروعات كإنجازات في سجل الدولة بصرف النظر عمن نفذها. كل ما في الأمر براعة التسويق، ورواية القصص.

لقد درسنا الصحافة بطريقة تقليدية، طريقة الخبر الذي يأخذ شكل الهرم المقلوب -لم أعد أذكر باقي الأشكال-، لكن عندما انخرطنا في الواقع العملي وجدنا أن الطريقة الأجدى من تحرير الأخبار هي صياغة القصص، لأن الناس تحب القصص، ونحن منذ كنا صغارا نصغي للقصص منذ أول عبارة فيها «كان يا ما كان»، وإذا أردت تجربة عملية، قف أمام جمهور وأبدأ حديثك بـ«أنا فلان وسأتحدث اليوم عن المياه الجوفية من خلال المحاور التالية: أولا.. ثانيا.. ثالثا» فستعشر بأن الملل تسلل فورا إلى الحضور، لكن جرب أن تبدل المقدمة بأن تروي أو تختلق قصة، كأن تقول «عندما كنت صغيرا أسير تحت المطر برفقة والدي كنت أحب القفز فوق برك المياه المتجمعة هنا أو هناك، وأظن أن معظمكم كان يفعل ذلك، لكن الآن عندما أسير تحت المطر ألاحظ أن قدماي لا تكادان تبتلان نتيجة التسرب السريع للمياه في جوف الأرض»، ستدرك حينها كم تحب الناس القصص وكيف يصغون لها، بل يتناقلونها من تلقاء ذاتهم بما يخدم أفكارك وأهدافك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها