النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12135 الأربعاء 29 يونيو 2022 الموافق 30 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

المسرح في رحاب المدرسة..

رابط مختصر
العدد 12001 الثلاثاء 15 فبراير 2022 الموافق 14 رجب 1443

في صبيحة أول يوم دراسي من العام الثاني والستين من القرن الماضي، أتذكر جيدا مدى اهتمام الوالدين الكبير بي، والذي يشبه إلى حد بعيد ذلك الاهتمام بشكلي شخصيا وبمظهر هندامي لاستقبال أول يوم من عيد الفطر المبارك أو عيد الأضحى، ذلك أني في هذا اليوم سأدخل حياة جديدة تختبر كل ما تلقيته وحفظته من (الكتّاب) أو من المطوع (سيد الذهب) الذي أشرف على تعليمي وتحفيظي القرآن شخصيا في بيته، بطلب من الوالد رحمه الله، نظرا لشقاوتي وشيطنتي التي عانت منهما المطوعة عائشة التي أشرفت على تحفيظ القرآن لأغلب أبناء وبنات مدينة الرفاع الشرقي، والتي تلقت مني ضربة سريعة بعصاها التي طالت أختي الأكبر مريم بسبب إهمالها غير المقصود لحفظ سورة من سور القرآن الكريم، أعقبها هروب من بيتها ومن (كُتّابها) لا عودة لي بعده.

 في هذا اليوم الدراسي عَبَر بي الوالد الشارع غير البعيد من مدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية للبنين، والتي تتعرش مرتفعا يطل على الوادي بالجوار من قلعة الشيخ سلمان بن أحمد الفاتح التاريخية الشامخة المهيبة التي تتميز بموقعها الاستراتيجي المهم، فقد بنيت فوق جرف بسيط في المنطقة الصحراوية المنخفضة الواقعة بين مدينة الرفاع القديمة ومدينة الرفاع الغربي الحديثة، وكان بمحاذاتها مدفع فولاذي قديم أسهم في تعزيز شعورنا كلما اتكأنا على قاعدته بالقوة والمنعة. 

في هذه المدرسة التي يشبه معمارها بيوتنا الشعبية القديمة، حيث (الحوش) الصغير (المسفلت) المحاط بعدد متواضع من الفصول بينها غرفة الإدارة المجاورة مباشرة من بوابة الدخول، وغرفة المعلمين المقابلة مباشرة لغرفة الإدارة من جهة يسار المبنى، في هذه المدرسة كان أول من استقبلنا مدير المدرسة الأستاذ فالح العبدالله، وهو أول مدير مدرسة للبنين في مدينة الرفاع الشرقي، بل هو أول مدير مدرسة نظامية في الرفاعين (الشرقي والغربي)، وأصوله تعود إلى (زبير) العراق، ولا زلت أتذكر وجهه الحنطي الذي يتقدمه شارب أبيض كث، ونظارة طبية سميكة عدستيها، مثلما أتذكر قامته الطويلة التي تنسدل على كتفيها غترة بيضاء متوجة بعقال أسود مفتول، ونظرا لأن أغلب من يعمل في هذه المدرسة من نفس المدينة، بما فيهم المدير نفسه، فقد كان الوالد في موقع طيب وحميم من استقبالهم له.

وأذكر جيدا معيار أو شرط القبول للالتحاق بهذه المدرسة، بل في كل المدارس الحكومية آنذاك، وهو أن تكون ذراعك اليمنى أو اليسرى قادرة على أن تلامس إحدى أذنيك في أثناء ليّها عموديا من فوق رأسك، وهو شرط قد ينقذ الكثير من المتقدمين للدراسة من سن القبول المحدد بالست سنوات، إذ إن بعض المتقدمين ولدوا بأطراف طويلة بإمكانها تحقيق هذا الشرط وإن قلت أعمارهم عن الست سنوات، خاصة وأن الكثير منهم أيضا في تلك الفترة قد ولدوا في بيوتهم من خلال القابلات الشعبيات وليس في مستشفيات الولادة، ولعله من حسن الطالع أن أكون أحد من ولدوا بالمستشفيات، وتحديدا مستشفى الإرسالية الأمريكية بتاريخ 3 مارس 1956، كبقية أخواتي، ويعرف والدي ووالدتي وأنا وأخواتي تواريخ ميلادهم جيدا. 

المهم أني اجتزت هذا الامتحان، وبارك المدير والهيئة الإدارية والتعليمية للوالد بقبولي تلميذا في هذه المدرسة التي ستبدأ معها حياة جديدة في (منزل) مختلف يجمع كل أبناء الأحياء في هذه المدينة مع بعضهم البعض، ويفتح مجالا واسعا للتعرف على علوم ومعارف وأنشطة كنت أجهلها قبل التحاقي بهذه المدرسة، ولكن ماذا بعد حكايات جدتي نوره وفاطمة بنت عيسى (الغريبة) التي سكنت مخيلتي وأحلامي دون كتاب أو قلم أو ورق؟ هل ستكون بجواري في هذه المدرسة أم أن الأمر سيتغير بعدها؟ هل سأجد من يوليني في هذه المدرسة ذلك الاهتمام الذي أولتني إياه الجدة نورة وفاطمة الغريبة وهما تغذيان مخيلتي وروحي وأحلامي بالحكايات الممتعة والشائقة والغربية أم أن الأمر سيختلف في هذه المدرسة، خاصة وأني سأكون بصحبة قرناء كثر يصعب أن يحتويهم حضن واحد كالذي احتواني وشقيقاتي في البيت؟ 

هناك في هذه المدرسة الحميمة الأليفة التي لا يوجد بها حتى صالة صغيرة لممارسة هواية التمثيل، شأنها أو مثلها في تلك الفترة شأن أغلب مدارس البحرين الحكومية، والتي تعد بعض ساحات الوادي المجاور لها أشبه بفصول أخرى فيها نمارس من خلالها أنشطة الرياضة والرسم والرحلات، كانت دروس المحادثة والقصص الحرة التي كنا نتلقاها والتي لا زلت أذكر بعضها مثل (سرحان بين الغيط والبيت) أو (سعاد ودجاجها) أو (لك يوم) أو (العنزات الثلاث)، كانت تلبي بعض رغبتنا في التمثيل، إذ كنا نتخيل أحداثها ونحاكيها أثناء الدرس أو بعده وبمتعة كبيرة تثير الضحك بيننا، خاصة ما إذا تخيلنا أشكال بعض الشخصيات الكارتونية التكوين كسرحان الذي يقع في مقالب كثيرة ومضحكة في رحلته من (البيت) إلى الغيط (الحقل)، وهي قصة تربوية عظيمة تدعو إلى التفكير والإبداع وتطفئ النمطية والغباء، ومفاد هذه القصة أن سرحان كان حرفيا في سلوكه غير مبدع ولا مفكر، فعندما أرسلت أمه معه بعض النقود لجدته حملها سرحان في يده فسقطت منه في الطريق وهو لا يدري، فعاد سرحان يبكي فقالت له أمه: لقد أخطأت يا سرحان بحملك النقود في يدك، كان عليك يا بني أن تضعها في جيبك، وعندما أرسلت معه كمية من الزبد لجدته تذكر نصيحة أمه السابقة، فوضع الزبد في جيبه، وانصهر الزبد من الحرارة وحدث ما حدث، فرجع باكيا إلى أمه فقالت له: كان عليك يا سرحان أن تحمل الزبد في يدك، وبعد مدة أرسلت معه خروفا صغيرا لجدته، فتذكر آخر نصيحة لأمه فحمل الخروف بين يديه، فأنهكه التعب واتسخت ملابسه فقالت له جدته: كان عليك أن تربط الخروف في حبل وتجعله يسير خلفك، وعندما أرسلت معه دجاجة إلى جدته تذكر نصيحة جدته يوم الخروف، فربط الدجاجة من عنقها وجرها خلفه فاختنقت الدجاجة وماتت.

هل تخيلتم معي الآن شكل سرحان؟ ألا تدعوكم هذه الشخصية حينما كنتم أطفالا إلى تمثيلها؟ لم نكن نسأل حينها لماذا لا يوجد مسرح بالمدرسة يلبي رغبتنا ويكتشف ميولنا المسرحية، لأن مسرح الطفل بشكل عام في البحرين كلها غير موجود وغير معروف آنذاك، كان مسرحنا هو مخيلتنا التي نطل من خلالها على أحداث هذه القصص ونحاكيها أو نقلدها بعد انتهاء الدرس، ومدرس القصص الذي كان يشبه الراوي في المسرح في طريقة قراءته للقصة أو حفظه لها عن ظهر قلب أو إضافته بعض نكهات التشويق من مخيلته عليها. وكان من أشهر أساتذة دروس المحادثة والقصص في مدرستنا هذه، الأستاذ صالح الرويعي رحمة الله عليه، إذ كان يقدم هذه المحادثات والقصص بطريقة أدائية ممتعة ومحببة للأطفال جميعا، وكانت عيناه الواسعتان تحكيان الكثير وتسرحان بمخيلتنا نحو أحداث وشخصيات هذه المحادثات والقصص، فنراها وكما لو أنها تحدث اللحظة أمامنا، لذلك عوضني هذا المعلم الراوي الجليل، الكثير مما فقدته من (الجدة والغريبة) بعد فك الحرف ورصف الخط، وبعد تولي عيناي قراءة النص مباشرة وتخيل ما تريانه وما تودان رؤيته، بل أني أجزم الآن بأن هذا المعلم الراوي أحد أسباب ولعي بالقراءة والكتابة فيما بعد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها