النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12187 السبت 20 أغسطس 2022 الموافق 22 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

اقتصاد دائري مستدام

رابط مختصر
العدد 11994 الثلاثاء 8 فبراير 2022 الموافق 7 رجب 1443

حلت يوم الجمعة الماضي، الرابع من فبراير، مناسبة يوم البيئة الوطني في مملكة البحرين، لكن هذه المناسبة مع الأسف لم تحظ بالاحتفاء اللازم، رغم المشاركة الفاعلة للبحرين في معظم المحافل العالمية ذات الصلة بالبيئة، ورغم الجهود الكبيرة التي يبذلها المجلس الأعلى للبيئة ورئيسه التنفيذي الدكتور محمد بن دينة وفريق المجلس، ورغم أن قضايا الحفاظ على البيئة تشكل بالفعل مسألة حياة أو موت، إن لم يكن لجيلنا فللجيل القادم، أو الذي يليه.

هناك اهتمام ملحوظ بالبيئة في المستويات العليا. شركات مثل ألبا وبابكو وجيبك تضع الحفاظ على البيئة في مقدمة أولوياتها، كذلك تتبنى بعض البنوك الكبرى وشركات الاتصالات والتأمين أنظمة حوكمة معلنة تحدد استراتيجيتها للحفاظ على البيئة والاستدامة، ويشجع مصرف البحرين المركزي وجمعية مصارف البحرين التوجه أكثر نحو ما يسمى بالتمويل الأخضر، ونرى تزايدا في مشروعات الطاقة المستدامة، وغير ذلك من المبادرات. لكن الحاجة ملحة لتبني قضايا البيئة على مستوى وطني شامل، يطال جميع المؤسسات والأفراد، من خلال الوعي والتصرفات، والتشريعات والقوانين، والثواب والعقاب، قبل أن يفوت الأوان.

إن قدرة الطبيعة على التعافي تضعف بمرور الزمن نتيجة زيادة تبني نمط الإنتاج والاستهلاك: الاستخراج، فالتصنيع، فالاستخدام، فالتخلص. هذا الاقتصاد ذو الاتجاه الواحد يتطلب أن يكون هناك دائمًا وفرة في المواد الخام، وقدرة غير محدودة على التخلص من النفايات في البيئة الطبيعية، ومن الواضح أن المجتمعات في معظم دول العالم لا يمكنها الاستمرار وفق النمط الحالي من الاقتصاد إذا أرادت تلبية ضمان قدرة الأجيال المقبلة على النمو والحفاظ على صحة الكوكب.

البديل لذلك هو «الاقتصاد الدائري» المستدام، الذي لا تقوم منهجيته فقط على تدوير المخلفات، وإنما التصميم الأمثل للمنتجات وتقليل الاستهلاك والإدارة المستدامة للموارد من خلال استثمارها بأفضل طريقة متاحة لأطول وقت ممكن، وهذا يتطلب أن يضع الجميع في حسبانه الكلف البيئية والاجتماعية طويلة الأمد لعمليات الإنتاج والتخلص، إلى جانب ابتكار تقنيات جديدة، وإحداث تغييرات جوهرية في أنماط الاستهلاك. وإن الانتقال إلى الاقتصاد الدائري ضرورة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ لا توجد موارد طبيعية كافية للحفاظ على نمو الاقتصاد العالمي على أساس النموذج الخطي. وهو يتيح الفرصة، ليس فقط من أجل معالجة قيود الموارد الأساسية، ولكن أيضًا من أجل منظومة اقتصادية أكثر عدلاً وشمولية.

دول أوربية كثيرة مثل هولندا وألمانيا وفنلندا والدنمارك وسلوفينيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وضعت منذ سنوات عديدة استراتيجيات وخطط طريق لها نحو الاقتصاد الدائري الذي يضمن الحفاظ على قيمة المنتجات والمواد والكيماويات والموارد في الاقتصاد بأعلى فائدة وقيمة لأطول فترة ممكنة.

تجزئة الهدف تساعد على إنجازه، لذلك يمكن في البحرين التوجه في مرحلة أولى نحو قطاعات محددة، مثل الصناعة أو النقل، وتحقيق إنجازات بيئية فيها بالتعاون بين مؤسسات القطاع العام والخاص والمدني المعنية، ثم الانتقال لقطاعات أخرى بعد بناء نماذج عمل والاستفادة من تراكم التجارب.

كما أن الاقتصاد الدائري ينطوي على إمكانات كبيرة مثل تشجيع الابتكار، وإنشاء أسواق جديدة، وإيجاد فرص عمل، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وأمن الطاقة، وتطبيق تكنولوجيات متقدمة، من أجل تحقيق الأمن الغذائي، أحد الأهداف الكبرى للبحرين.

ويغطي الهدف 12 من أهداف التنمية المستدامة التي تبنتها الأمم المتحدة في سنة 2015 الإنتاج والاستهلاك المستدامين، ويشرك هذا الهدف جميع الجهات الفاعلة للإسهام في تحقيق التنمية المستدامة، بما فيها القطاع الخاص. كما يبرز أهمية توفير المعلومات للمستهلكين، وتثقيفهم بشأن التنمية وأنماط الحياة المستدامة. ويشجع هذا الهدف القطاع العام على تبني ممارسات الشراء العمومي المستدامة، فضلاً عن التحول نحو الاستهلاك والإنتاج المستدامين في النظام الغذائي والقطاع السياحي. كما يشدد على الحاجة إلى وضع سياسات للاستهلاك والإنتاج المستدامين، في حين يتناول التمويل وبناء القدرات بصفتهما وسائل للتنفيذ، ويلحظ معالجة الدعم الحكومي للوقود الأحفوري.

وتحقق مملكة البحرين استجابة فاعلة للمتطلبات الدولية في كثير من الملفات، مثل الاقتصاد الحر، والاتصالات، وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وتمثل البيئة مجالاً آخر يمكن للبحرين أن تتميز فيه وتكون مثالاً يحتذى في كل الدول ذات الطبيعة الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية المماثلة، من خلال عكس عقارب التراجع البيئي وبناء نموذج بحريني عالمي في التصدي للتغير المناخي.

دعونا نستعد منذ الآن للاحتفاء بالرابع من فبراير 2023، يوم البيئة الوطني، كما يجب، ليس من خلال حملات نشر الوعي البيئي وتنفيذ مبادرات لحماية البيئة فقط، بل من خلال تحقيق إنجازات بيئية كبيرة تضعنا في صدارة الدول الملتزمة بقضايا البيئة، وتبرهن على قدرتنا على تحمل مسؤوليتنا أمام الأجيال القادمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها