النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12133 الإثنين 27 يونيو 2022 الموافق 28 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

مدركات.. وواقع الفساد!

رابط مختصر
العدد 11994 الثلاثاء 8 فبراير 2022 الموافق 7 رجب 1443

لا أعلم إذا كانت هذه التقارير والمؤشرات التي تصدر كل عام تُؤخذ على محمل الجد أم لا من جانب الأطراف أو الجهات التي يفترض أنها مسؤولة ومعنية، أو أن لها أصداء تحقق نتائج ما على أرض الواقع، وفي كل الحالات هي تثير قائمة طويلة من الأسئلة الحساسة..!

نتحدث عن تقارير منظمة الشفافية الدولية، وعن مؤشرات مدركات الفساد التي تطلقها كل عام، وهي كالعادة تنبّهنا بأن المعركة ضد الفساد لا يستهان بها، وأنها أكبر بكثير مما نظن بعد أن بات للفساد قواعد وقيادات وبنى تحتية وتتشابك قنواته وآلياته مع قوى ومراكز نفوذ في داخل المنطقة العربية وخارجها وتوفر له الحماية والدعم والمساندة، وبات هناك من الغارقين في أنشطة الفساد ورائحتهم تزكم الأنوف ممن يشار إليهم بالبنان، وتحوّل الوضع في كثير من الحالات إلى ما ينطبق عليه المثل «حاميها حراميها»، ومنهم من يكثر الحديث عن الفساد ويظهر كما لو أنه مناهض صنديد له بينما لحم أكتافهم من خيره ودماء عروقهم من دمه، والخلاصة أن الفساد أصبح كابوسًا ينمو ويستفحل يخيّم على الشعوب والمجتمعات والنظم، وبات ممنهجًا وله جذور عميقة سواء في المؤسسات أو في الحياة اليومية..!

مؤشر مدركات الفساد لعام 2021 الذي أطلق مؤخرًا (25 يناير الماضي) يُعد أحد أهم المؤشرات عالميًا لقياس البيئة المساعدة على تفشّي الفساد في القطاع العام وفقًا للخبراء وأصحاب الأعمال، وهو يغطي 180 بلدًا وإقليمًا في العالم، وتكمن أهمية تقرير هذا العام أولاً في تتبّعه لأوضاع الفساد في العالم خلال السنوات العشر الماضية، وثانيًا في ربطه بين مؤشرات الفساد وبين ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويظهر أنه «كلما كانت المجتمعات أكثر ديمقراطية وانفتاحًا زادت قدرتها على مكافحة الفساد»، ويبيّن بأن الفساد يزداد في الدول التي تتعرّض فيها الحريات العامة، وعلى الأخص حرية الرأي والتعبير لمزيد من الضغوط، كما أنه يشير ثالثًا إلى أن الفساد قد تعزز حضوره في زمن جائحة كورونا التي استغلتها حكومات فاسدة ومستبدة لارتكاب المزيد من الفساد في مجالات الرعاية الطبية، وشراء اللقاحات والأجهزة والأقنعة الطبية وما تخللها من عمليات رشاوى واختلاسات وغش وعمولات..!!

يهمنا ما ورد في التقرير المذكور الفصل الخاص عن العالم العربي، فهو يكشف أن إجمالي مؤشر الفساد في المنطقة ظل ثابتًا عند 34 من أصل 100 درجة للعام الرابع على التوالي، وأن أي من دول المنطقة العربية ومنها البحرين لم تحقق تقدمًا في أوضاع الفساد خلال العقد الماضي، وهو أمر يبعث رسالة عبّرت عنها المستشارة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط في منظمة الشفافية الدولية كندة حتّر، رسالة تقول: «هناك مشكلة حقيقية في أنه مهما التزمت الدول سطحيًا بسن قوانين وقواعد، لن يحدث شيء طالما لا يوجد تغيير حقيقي في المنظومة والثقافة السائدة، والفساد السياسي هو الأوسع في المنطقة مما يسمح بإعادة إنتاج فاسدين جدد».

في هذا الشأن تحديدًا يذكر التقرير أن «الفساد السياسي الممنهج يعيق التقدم والديمقراطية في المنطقة، ويزيد من تفاقم حقوق الإنسان وإفشال الوعود الطموحة بالتغيير»، ووفقًا لحفتر فإن هناك الكثير من العوامل أدّت إلى تراجع الدول العربية في مواجهة الفساد، من أبرزها غياب الفصل بين السلطات بشكل يضمن المحاسبة والشفافية، والسلطة التشريعية غير قادرة على محاسبة السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية غير مستقلة بشكل كافٍ لتحاسب الفاسدين، والشعب لا يستطيع المساءلة عن الصرف والموازنة العامة في ظل تقييد الحصول على المعلومات وتقييدها بذريعة أنها من أسرار الدولة»!

ليس اكتشافًا أو طرحًا جديدًا ما أكدت عليه المنظمة المذكورة من أهمية لوجود قوانين فعّالة لحماية المبلغين عن الفساد من منطلق أن ضعف قوانين حماية المبلغين تضعف المشاركة المجتمعية وترسخ القبول الشعبي لأشكال من الفساد، كالوساطة والرشوة، وتحول دون إجراء انتخابات تعددية حقيقية بعيدًا عن شراء الأصوات والعشائرية والطائفية وغيرها من الأمور التي تعيق المشاركة السياسية الحقيقية القادرة على مسائلة السلطة التنفيذية، وتلفت المنظمة إلى أمور في غاية الأهمية، منها ما تجلّى في الإشارة إلى وجوب أحداث ثورة في التربية والتعليم لترسيخ الرفض الشعبي للفساد في الأجيال المقبلة، وإرساء احترام سيادة القانون، واحترام الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدول العربية ومنها الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وحرية الإعلام والمجتمع المدني، وضمان استقلالية القضاء، ويمكن أن نضيف إلى ذلك ما يتصل بالعمل البرلماني وإقرار مدونة سلوك عضو البرلمان، والذين يتمتعون بموهبة التقاط الإشارات يدركون أهمية ومبررات ذلك..!

للإحاطة والعلم كان مجلس النواب في عام 2016، أي في الفصل التشريعي الثالث قد تداول اقتراحًا بهذا الصدد، قيل إنه يستهدف تنظيم وتحديد الواجبات والمسؤوليات في العمل البرلماني، وتطرّق إلى أمور تضمن نزاهة هذا العمل وتجنّب ما يسيء إلى سمعة وهيبة هذا العمل إلى جانب تعزيز مفهوم المسؤولية النيابية والمساءلة الذاتية، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية في كل شأن، وتجنّب تبنّي أي موضوع فيه منفعة شخصية للنائب سواء أكان ذلك داخل المجلس أو خارجه من خلال استخدامه للصفة النيابية، ووجدنا رئيس المجلس آنذاك وهو يؤكد على أهمية هذه المدونة اسوة بالعديد من برلمانات العالم، وبدلاً من أن نشهد خطوة أو محاولة تمضي نحو تفعيل هذا المقترح تم تمييعه والذهاب به إلى إدراج الرياح، والمفارقة أنه جرى في أكتوبر 2017 الاستعاضة عنه بمدونة قواعد السلوك الوظيفي وأخلاقياته للعاملين بالأمانة العامة لمجلس النواب..!

يمكن أن نتوقف إضافة إلى ما تقدّم أمام كلمة رئيس الجمعية البحرينية لمكافحة الفساد الدكتور حسن الربيعي التي ألقاها بذات المناسبة، فالرجل بدوره أشار إلى العلاقة بين المسألة الحقوقية والديمقراطية، وازدياد الفساد في الدول التي تتعرّض فيها الحريات العامة وعلى الأخص حرية الرأي والتعبير لمزيد من الضغوط، ويؤكد عزم الجمعية على الاستمرار في طرح الحلول التي من شأنها تطوير موقع البحرين في مؤشر مدركات الفساد الذي لم يتغير في تقرير 2021 وبقي في المرتبة 78، ويلفت الانتباه إلى أن جمعيته لا تزال تواصل في طرح ما لم يلقَ أذانًا صاغية منذ عام 2008، وستستمر في طرح أفكارها إلى أن تتحقق وتتحول إلى خطوات فعلية وجدية سواء من جانب البرلمان والحكومة وعلى الأخص فيما يتصل بإنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، وإصدار قانون حق الحصول على المعلومات، وإصدار قانون لحماية الشهود والمبلغين، وإصدار استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد بمشاركة المجتمع المدني وقطاع الأعمال، وتطوير حالة حقوق الإنسان، ونشر ثقافة النزاهة، ومنح المجتمع المدني المزيد من حرية العمل والدعم المالي والمعنوي لكي تتمكن من تنفيذ برامجها ومشاريعها لتنمية المجتمع وتمكينه من محاربة الحضور البهي لكل إشكال ومستويات الفساد.

لا يحتاج المرء إلى أي جهد ليتقن من أهمية تلك الخطوات التي تتطلب عملاً كبيرًا وشاقًا واستثنائيًا يفترض أن يبذل لبلوغ تلك الأهداف وتحقيق خطوات متقدمة في فضاء النزاهة والشفافية والمساءلة وسدّ بؤر الفساد الذي يبدو أنه أكبر بكثير مما يقال أو يُرصَد أو يُثبَت، ذلك يقتضي جهدًا تشاركيًا وطنيًا فاعلاً ومؤثرًا ينطلق من إيمان بأن محاربة أوجه الفساد ومحاسبة الفاسدين والفاشلين والتوقف عن تدويرهم أو تكريمهم هي قضية وطنية ودينية وأخلاقية وإنسانية، وبأنه طالما هناك فساد فإنه يصعب الحديث عن الأمل والتغيير والإصلاح..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها