النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

أسبوع الوئام بين الأديان

رابط مختصر
العدد 11989 الخميس 3 فبراير 2022 الموافق 2 رجب 1443

في مثل هذا الأسبوع الممتدّ من 1 إلى 7 فبراير من كلّ سنة تُحيي دول العالم أسبوع الوئام بين الأديان بعد أن أقرّته الأمم المتّحدة أسبوعًا عالميًا إثر طلب كان قد تقدّم به ملك الأردن عبد الله الثاني في شهر أكتوبر عام 2010 تأكيدًا على رسالةجوهر الأديان السامية، وبخاصة منها السماوية، التي تُجمع على إعلاء ثقافة المحبة والتسامح والدعوة إلى السلام بين بني البشر، الذين يرجعون جميعهم إلى آدم عليه السلام.

وتُدعى كلّ وسائل الإعلام والمنابر الدينية والثقافية الرسمية والأهليةإلى الاحتفال بأسبوع الوئام العالمي بين الأديان وبعث رسائل التسامح والوئام والانسجام بين مختلف الأديان وتشجيع الأفراد على التعامل بإنسانيّة وقبول الاختلاف الديني وتعزيز القيم المشتركة واحترام الآخر من أجل نشر المحبّة والأمن والسلام.

لكن من هي الأطراف الحقيقية لهذا الوئام؟ وما جدوى هذا الاحتفاء العالمي؟

لعلّه من نافلة القول إنّ المحبّة جوهر الأديان التي جاءت للرقيّ بالإنسان روحًا وجسدًا ولتخليصه من كل نوازع الكراهية والحقد؛ إذْ إنّ  الدين هو بالضرورة قوّة دافعة للوحدة بين بني البشر، لا العكس. فالوئام إذن متأصّل في حقيقة الأديان ولا سيّما التوحيديّة منها. 

لذا فإنّ أطراف الوئام الذي تنشده هذه المبادرة هم أتباع الأديان أي المؤمنون بهذا الدين أو ذاك ولا سيما البسطاء منهم والمقلّدين.. وهؤلاء في الحقيقة مرتهنون لدى «حرّاس معبد كلّ دين» إن صحّت الاستعارة، أي  المفسرين والمؤوّلين والدعاة والفقهاء ورجال الدين بمختلف مسمّياتهم في كل دين ومذهب... 

وإذا كانت غاية هذا الأسبوع العالمي نزع كل ما علق بالخطاب الديني من صفات الإرهاب والدعوة إلى ممارسات العنف والقتل والتدمير للآخر لأسباب دينية أو مذهبيّة، فإنّ أسبوعًا واحدًا لا يكفي، بل لن يكفي العام كلّه لغسل أدمغة محشوّة بالكره والحقد والجهل المقدّس الذي سكن قلوبهم قبل عقولهم، إن بقي لهم عقل، وذلك على مدى قرون وقرون بين أتباع هذا الدين أو ذاك وهذا المذهب وذاك.. 

لذا، لن تجدي نفعًا تلك الندوات والمؤتمرات التي تعقد في القاعات الفاخرة .. لا، ولا تلك الكلمات والخطب الرنانة فهي لن تكون الدواء الشافي والكافي لهكذا معضلة أرهقت البشرية وعطّلت المقاصد الجوهرية للأديان قرونًا وقرونا. 

إنّها لن تكون سوى مسكّنات افتراضية للاستهلاك الإعلامي والبهرج الخدّاع لمنظّمة تكاد تفقد صدقيّتها بين سكان المعمورة.. نعم مسكّنات افتراضية لأنّ ألَمَ الواقع وجحيم معاناة أتباع الأديان في الهند والصين وبعض المناطق من إفريقيا وأوربا وأمريكا يحصل يوميًا وعلى مرأى ومسمع الأمم المتحدة.. لكن لا حياة لمن تنادي. فما جدوى هذه الدعوة؟ وما قيمة هذا الاحتفاء «العالمي»؟

إنّ ثقافة الاعتراف الذاتي بالآخر، واحترام معتقداته، وفهم مشاعره، والسعي معه إلى وضع حد نهائي للحروب والمنازعات تحتاج تخطيطًا إستراتيجيًا طويل المدى لعلّ أجيالاً قادمة بعد عقود أو قرون تنعم بهذا الوئام وتسمو بالذات البشرية إلى الأخوة والمصالحة مع الذات والآخر والطبيعة من أجل تنمية حقيقية مستدامة يكون فيها للروح والجسد والطبيعة نصيب. 

باختصار، لن يكف تجار الموت باسم الدين عن تغليظ قلوب أتباع الأديان ما لم تتحقّق عدالة اجتماعية يشعر معها الإنسان بالكرامة لا بالحاجة المذلّة التي قد تقوده إلى تنفيذ أوامر هذا أوذاك بالقتل أو التفجير باسم الدين من أجل لقمة عيش أبنائه... 

كما لن يكفّ أولئك طالما نسبة الجهل والأمية لم تتقلّص، ومحتوى المناهج الدراسية لم تقع مراجعته عالميًا ومحليًا لتمكين الطلبة من أخلاق المحبة والتعاون وكذلك من مهارات التفكير الناقد واحترام رأي الآخر.. 

نعم، لن يكفّ أولئك التجار ومصاصو الدماء طالما تلك القنوات الإعلامية المسعورة المأجورة تبث الجهل والفتنة والكراهية بين أتباع الأديان وتؤجج الصراع بتأويل معلوم للنصوص الدينية.

لا، ولن يكف أولئك طالما بقيت علاقة «علمائنا الأفاضل» بالنصوص الدينية جامدة وظلّ فهمنا مرتهنا لتأويل تلك النصوص في عصور قد خلت، وبأدوات فهم ربما صلحت في زمانها لكن لم تعد بالضرورة صالحة في زماننا. فتلك الفهوم والتأويلات ليست هي الدين وإنما هي فهم بشري زماني ومكاني للنص الديني، لا يعقل أن نبقى عليه إلى يومنا هذا. لذا، لا مناص من فكر وخطاب وتعليم ديني جديد منفتح على العلوم الإنسانية الأخرى «ينتج عقولاً منفتحة ويضع حداً لتناسُل العقول الانطوائية المغلقة التي لا تؤدي سوى إلى المآسي» على حدّ تعبير د. ربيع الدبس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها