النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

شعبان يوسف.. محاولات كمان وكمان

رابط مختصر
العدد 11988 الأربعاء 2 فبراير 2022 الموافق غرة رجب 1443

في أيام أخفتها «عقارب ساعة»، سقط في طرحِ يداي، ذاك الشخص الغامض الذي تطرق أنامله الباب، يظل يطرق ويطرق حتى أستقبله في صالوني البسيط المجاور لصالة متناهية في الصغر، والملاصق لغرفة نومي المتواضعة التي كانت تفتح لنا فتحًا مبينًا عندما نطل من شرفتها الوثيرة.

ذات يوم جاء إلى شعبان يوسف بخبرٍ مفرحٍ مفاده أنه تمكن من الحصول على نسخة من ديوان محمود درويش الأخير «محاولة رقم 7»، وأن تلك النسخة «النادرة» ما كان لها أن تقع بين يديه «لولا علاقاته القوية بدور النشر والمكتبات» ولولا ثقة أصحابها فيه.

صدقت الرجل وفتحت له قلبي وتحدثت معه بصراحة المشدوه المشدود لعبقرية مبكرة آن الزمان لها أن تتفجر في وجهي وفي وجه كل من أحبوه وهو مازال في عتبة الشباب الأولى، وأخذت الديوان من شعبان ووعدته بألا أمسه بسوء، ولا أصيبه بضر، وأنني سأقرأه بسرعة وأعيده إليه بعد 24 ساعة.

وبالفعل انطلق شعبان إلى ثالوثنا الرائع المرحوم المبدع محمود نسيم حتى يبلغه بأن «محاولة رقم 7» قد خرج إلى النور، وأن محاولتنا القادمة قد تحمل أرقامًا متأخرة أخرى.

قرأت الديوان.. مرة، مرتين، بل عشر مرات، حتى حفظته عن ظهر قلب ثم أعدته إلى شعبان صبيحة اليوم التالي.

كنت قد أعدت حساباتي، واكتشفت أن محاولة درويش رقم 7 ما هي إلا محاولة سابقة لأوانها وزمانها، حيث محاولاته التي حصلت على الأسبقية وأهمها «أعراس» كانت تبشر بولادة «نبي جديد» من أنبياء اللحظة الشعرية العارمة.

اختفى شعبان يوسف لأيام ثم جاء إلي في زيارة خاطفة وهو خالي الوفاض من الكتب والاكتشافات الجديدة، لم يكن بيديه سوى دفتر صغير متواضع يضعه على صدره المفتوح على الجميع.

سألته عن أخباره، سألني عن أشعاري، وكأنه يعلم مسبقًا أن لمحاولة رقم 7 محاولات أخرى، أجبته بقصيدة، وأجابني بتردد: آه، واقترح عليّ أن أذهب معه لـ«حكيم زماننا وأواننا» محمود نسيم، وبالفعل ذهبت معه عن طيب خاطر ويداي تقبضان على قصاصات من قصيدة عنونتها بـ«جسد».

ناديت على محمود فإذا به يطل علينا من شرفته المقابلة لبيتي مباشرة قائلاً: تفضلوا، جلسنا في صالون متواضع آخر، وتجاذبنا أطراف الحديث، فإذا بشعبان يقول لمحمود: على فكرة أسامة عنده قصيدة جديدة، ابتسم محمود بهدوئه المعتاد، وكياسته المعهودة، وعمق نظرته التي كانت تلتقط كل شاردة وكل واردة وأنا ألقي على مسامعهما بـ«جسد».

انتهيت فإذا بمحمود يقول: الله، وإذا بشعبان على تحفظه.

محمود يسأله، وشعبان: محتار في أمري، في النهاية لم نقل شيئًا وخرجنا من بيت محمود وكلانا يلفه صمت عميق، وتفكير مشوب بالحذر مما نحن فيه، وما كنا عليه، وما نحن مُقدمين إليه.

افترقنا على غير موعد، ومرت الأيام حتى قام شعبان بزيارة مباغتة أخرى إلى بيتي بأرض النعام، لم أكن سعيدًا بردة فعل شعبان، ولم أكن مرحبًا بزيارته من كل قلبي، لكني اعتدت على الترحيب بأصدقائي طالما أنهم في عقر بيتي، كانت يديه فارغتان من كل شيء إلا من قصاصات لقصيدة كتبها محمود نسيم عن شخصه بعنوان: اعتراض شعري على شخصية شعبان يوسف، وكان محمود قد أخبرني عنها وكنا نخطط لنشرها في مجلة الكاتب المصرية التي تتلمذنا فيها على أيدي العظيم صلاح عبدالصبور، إلى جانب قصيدتين واحدة لشعبان وأخرى لـ«العبدلله» تحت عنوان: احتمال.

قرأ عليّ شعبان قصيدة محمود التي يعترض فيها بشدة على شخصية صديق عمره، فإذا بنوبة ضحك هستيرية تنتابني، سألني شعبان باستغراب عن هذه الحالة المفاجئة، أجبته بأن محمود ولأول مرة يجيد تصوير شخصيتك العنيدة، وصرامتك في التعاطي مع إبداعات الغير، فقصيدة الراحل الكبير محمود نسيم كانت بداية لإخراج الشعر من بوتقته الخجولة، وإطلاقه بصاروخ من تحت الأرض ليصل بصاحبيه إلى عنان السماء.

ذهب شعبان نحو المسافات البعيدة التي فرقتنا، وذهب محمود نسيم نحو أغلفته المثيرة للانتباه ونصوصه المجمعة للمعارف والغنية عن التعريف، وبقيت متابعًا لشعبان وهو يقرأ ثم يقرأ، ويكتب ثم يكتب، ويخرج عن تحفظه الذي لمست أدق ملامحه فيما بعد، يكتب الشعر والنثر، ويؤرخ للجميع، وينتشر في قلب سيرة كل مبدع، وفي عمق تجربه كل مجتهد، حتى أصبح أحد أهم مبدعي جيلنا، شعرًا ونثرًا وتأريخًا، رغم أنه مازال واقفًا على محطته الأولى التي بدأ في كشف الغطاء عنها عندما كان يمارس العمل السياسي السري، وعندما كانت الأسرار مرتبطة حتى برأي في شاعر أو وجهة نظر في قاصٍ، لم يكن لديه مجالاً فسيحًا للاجتهاد، ولا إخفاءً محددًا لمشاعر، فالوقت يداهمه، والأصدقاء ينتظرون منه الكثير، ورفقاء الدرب يعدون العدة لمواقف حاسمة في كل شيء.

مرت السنين، ودارت الأيام حتى أصبح شعبان يوسف على ما هو عليه، مفكرًا لا يشق له غبار، وشاعرًا محققًا بأي معيار فني وأي اعتبار فكري، وكاتبًا ممسكًا بمشربيات الفولكور الشعبي في يد، وفي يده الأخرى «أم وائل والأستاذ».

والبقية.. تأتي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها