النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12133 الإثنين 27 يونيو 2022 الموافق 28 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

ماذا يعني أن يكون حلم الطفلة خيمة..!

رابط مختصر
العدد 11987 الثلاثاء 1 فبراير 2022 الموافق 29 جمادى الآخر 1443

أوجعتنا وأذهلتنا شهد، تلك الطفلة السورية ابنة السنوات العشر التي لم تذهب بعيدًا رغم كل الجراح والحاجة والألم والحرمان، حين سئلت عن امنياتها في العام الجديد واختزلت حلمها بالحصول على «خيمة» تأويها، وهي بعفويتها، بمعاناتها وبكلمة واحدة منها بعثت بما يهز الضمائر الحية في العالم الذى يدعى التحضر ويتشدق بحقوق الانسان، بكلمة تمكنت شهد من بعث رسالة الى العالم تدين فيها من عجزوا عن ايجاد حلول سياسية وانسانية تخرجها ومعها كل النازحين مما هم فيه من أوجه معاناة وحرمان واضطهاد وفواجع متعددة الأشكال والصور والأبعاد..!

الطفلة شهد واحدة من عشرات آلاف الاطفال المتأثرين بالصراعات، هؤلاء لم يطلبوا ولم ينشغلوا وهم يستقبلون العام الجديد بأمنيات مثل لعبة يتمنونها، أو حضور حفلة سمر وسهر، أو ألعاب نارية واي مظهر من مظاهر الفرح كتلك التي يتمناها أطفال العالم، كل ما تمنته حين سألها المذيع في ظهيرة اليوم الأخير من العام الماضي عن أمنياتها في العام الجديد، اختزلت الجواب ولم تتمنَّ سوى خيمة، مجرد خيمة تأويها وتحميها من البرد، فتعلثم المذيع وارتبك، فعاد وكرر السؤال ففوجئ بتكرار جوابها «اريد خيمة»..!

هناك المئات، بل عشرات الآلاف من الأطفال العرب الذين يعيشون أوضاعًا وظروفًا لا يختلف حالها عن تلك التي تعيشها شهد ان لم تكن أشد رهبة ووقعًا ووطأة، لم يقترب منهم احد، ويسألهم ماذا يتمنون، لم تصور معاناتهم كاميرا، ويبين مدى حاجتهم الى سقف يأويهم، ولقمة يتقوون بها، وأمن وأمان وسلام يظللهم ويرفرف عليهم، وفي الوقت الذي نجد فيه اضافة الى تلك المشاهد البائسة والموجعة للأطفال مع صور اخرى لفقراء ومعدمين باحثين عن أبسط مقومات الكرامة، عن سكن وأكل ومشرب ودفء ومدرسة وما يجعلهم يستكملون يومياتهم، كتلك الطفلة السورية الاخرى دلال التي تعيش على اطراف سوريا وسط المخيمات والتي ترى ان كل احلامها تتمثل في العودة الى المدرسة والذهاب الى مقاعد الدراسة كما هو حال جميع اطفال العالم..!

في وسط هذه الأجواء نجد من ينفقون الأموال الطائلة على صور التباهي والشكليات التي يتظاهرون بها، لشراء ماركات وارقام سيارات مميزة، وينفقون بشكل هائل على تكميم معداتهم، أو على أعراس وأعياد ميلاد، وألعاب نارية، وإنفاق على أوجه ترف فائضة، قصور ومقتنيات وكماليات، وسباق محموم في الاسراف والتفاخر وحفلات باذخة تتسم بالسفه الإنفاقي على مظاهر تفاخر لا معنى لها، وهنا يمكن ان نذّكر بدراسة اعدت قبل سنوات لمركز أبحاث جامعة القاهرة خلصت بأن العرب ينفقون على أفراحهم اكثر من خمسة مليارات دولار سنويًا، وقيل انه مبلغ يكفي لحل مشكلات الفقراء والعاطلين في المنطقة العربية..!!

لا بأس بالتذكير بأرقام اخرى مذهلة ومؤلمة ومخجلة كتلك التي تكشف أن العرب ينفقون على أعمال الدجل والسحر والشعودة وقراءة الطالع مبالغ خيالية قدرت بأكثر من 6 مليارات دولار، فيما ينفقون بشراهة على مستحضرات التجميل والميك أب بمبالغ تتخطى 25 مليار دولار سنويًا، ناهيك عن الانفاق الهائل على الألعاب الالكترونية بكل أنواعها وتقنياتها، بالاضافة الى الاموال الضخمة التي يهدرها بعض العرب في صالات القمار، واخرى تتدفق في اتجاهات معينة ليس من بينها فعل الخير وخدمة الانسانية، يحدث ذلك فيما مظاهر المعاناة والعوز والفقر والألم والحرمان غير المسبوقة في ضراوتها تضرب اعداد هائلة من البشر باتوا في كل وادٍ يهيمون يعانون من «كورونا» من نوع آخر تتجلى في أوجه معاناة اخرى، معاناة من فقر وتهميش وبطالة، ومعاناة من انفلات عيار الفساد والفاسدين، ومعاناة من شعارات فضفاضة لا ينقطع تدفقها مفرغة من مضامينها على مختلف الصعد، وفي شتى الحقول وكلها تبشر بالمستقبل الأفضل..!

من باب العلم والاحاطة أو من باب التذكير أو التنبيه والتحذير، كشفت العديد من التقارير الدولية بأن العديد من الدول العربية - دون ذكر اسماء منعًا للاحراج أو لسبب آخر - في ذيل قائمة الفساد، وتبين هذه التقارير الى اي مدى يؤثر هذا الفساد على نهضة المجتمعات بامتياز، وتراجع مسيرة التنمية، وزيادة نسبة الفقر والحرمان والبطالة، ومؤشر مدركات الفساد لعام 2020 رسم حالة قاتمة عن حال العديد من الدول العربية وغيرها بسبب الفساد، حتى جائحة كورونا قال عنها مدير منظمة الشفافية الدولية إنها ليست مجرد أزمة صحية واقتصادية فحسب، بل انها أزمة فساد، ولكن هناك ممن يفترض انهم معنيون بالأمر يصمون آذانهم كأنهم لا يسمعون ولا يفقهون..!

هناك ارقام اخرى مذهلة تقول ان العرب يهدرون وعلى ذمة منظمة الأغذية والزراعة اكثر من 40 مليون طن من الغذاء سنويًا تنتهي في مكب النفايات، تقرير آخر يكشف عن اهدار العرب لـ50% من الطعام في عزومات رمضان، فهناك أموال طائلة صرفت على أشياء جنونية لا تخطر على بال، وخارجة عن المألوف كتلك العائلة العربية الثرية التي اشترت قالب من الحلوى بـ75 مليون دولار بمناسبة عيد ميلاد وخطبة ابنتها، كعكة كلفت البريطانية ديبي وينغهام بإعدادها تحاكي عرضًا للأزياء بممشى العارضات والحضور، ورصعت ملابس العارضات بـ4000 من الألماس الوردى والأصفر والابيض، ولا ننسى ذلك الثري الذي أنفق 1.6 مليون دولار مقابل وجبة عشاء مع عارضة أزياء عالمية، وآخر دفع مبلغ نصف مليون دولار مقابل دردشة استمرت 15 دقيقة مع ممثلة عالمية..!!

حقائق مذهلة، أرقام صادمة بحق خاصة بالنظر الى واقع يحيطه فقر مدقع وبؤس ومآسٍ خلفتها الصراعات والنزاعات المسلحة والسياسية في العديد من بلدان منطقتنا العربية، وحرمت كثيرًا من الأطفال آباءهم وأمهاتهم، كما حرمتهم من مواصلة تعليمهم وحياتهم الطبيعية ليواجهوا البؤس والتشريد والتهجير والانكسار والعبث والجنون وكل ما بات يشكل تواطؤًا على الانسانية، وما تلك الصورة الموجعة التي ظهرت بها الطفلة شهد والتي كان حلمها خيمة، مجرد خيمة تأويها الا مثال معبر عن واقع مؤسف اكثر يحكم قبضته، واقع يحمل عدة أوجه، كلها أوجه موجعة، وقبيحة يربض في كل منها نفوس عفنة تريد لنا ان نعيش الانتكاسات والأخطاء، ونتكيف معها، وان نتلذذ بطعمها، واقع يفتقر الى الحد المطلوب، بل الحد الأدنى من الحياة والكرامة والخبز والأمل والدفء والسلام، واقع غامض من شدة الوضوح..!

لا اعرف من قال «عندما يسوء كل شيء، فمن الخير ان نتذكر الأسوأ»، ترى، هل يمكن ان يكون هناك ما هو أسوأ من هذا الواقع، وما هو اكثر شراسة..؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها