النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12092 الثلاثاء 17 مايو 2022 الموافق 16 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:23AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

ذئـــــــاب المــــــــــــال

رابط مختصر
العدد 11982 الخميس 27 يناير 2022 الموافق 24 جمادى الآخر 1443

يقدم مسلسل «لعبة الحبار» البشر بصور ذئاب مسعورة تسعى خلف المال بأي وسيلة كانت، وبدوافع مختلفة، من أجل البقاء، أو لمجرد التسلية، ويُظهر أن كسب المال وتحقيق الأحلام أصبح عن طريق الدسائس والأنانية والحظ والمقامرة، وليس عبر المثابرة والجهد والصبر كما تعلمنا واعتدنا، ويرسخ المسلسل القناعة بأن هناك أصابع خفية تتحكم بمصائر الناس، بل وتستمتع بعذاباتهم، وأن قلة قليلة جدًا من البشر ستحظى في نهاية المطاف بالجائزة الكبرى من أموال هائلة، فيما يلقى الباقون حتفهم في الطريق.

وإذا كان «لعبة الحبار»، الذي حقق معدل مشاهدات هو الأعلى في تاريخ «نتفلكس»، يقدم صور «الرأسمالية المتوحشة» على شكل سلسلة ألعاب ومسابقات، فإنه من الممكن باعتقادي إسقاط فكرة أو حبكة المسلسل على من خلال أشكال أخرى نعيشها في واقع حياتنا المعاصرة، مثل العملات الرقمية المشفرة، والأصول الافتراضية، وغيرها.

وبصرف النظر عن الجدال غير المنتهي حول أهمية تلك الاختراعات الرقمية في واقعنا ومستقبلنا، وفيما إذا كنا سنستخدمها بالفعل على نطاق واسع أو لا، إلا أن اندفاع الناس نحوها لا يتم بهدف استعمالها لتيسير وتسيير أمور حياتهم اليومية كما يحدث عند اقتنائهم هاتفًا ذكيًا أو فتح حساب بنكي أو حتى اشتراك في نتفلكس، بل إن هذه الاندفاع يكون بهدف المضاربة وأملاً في تحقيق أرباح هائلة في فترة زمنية قصيرة، تماما كالمتسابقين في «لعبة الحبار».

وباعتقادي أيضًا أن الرابح الأكبر وشبه الوحيد بل والمضمون من تلك الاختراعات الرقمية غير المفهومة لكثير من الناس حتى الآن هو صاحبها ذاته، أي الشخص أو مجموعة الأشخاص الذين يطلقونها ويديرونها، تماما كما هو الحال في كازينو القمار؛ فرغم العدالة وفرص الحظ المتساوية التي يوفرها؛ إلا أن جميع اللاعبين يخسرون في نهاية المطاف، والرابح الوحيد هو صاحب الكازينو.

نفهم أنه في علم المحاسبة هناك ما يسمى بـ«الأصول غير الملموسة»، وهي أصول غير مادية بطبيعتها، كسمعة الشركة وتاريخها وعراقتها وقيمة علامتها التجارية، إضافة إلى أمور مثل براءات الاختراع وحقوق التأليف والنشر، وعند حساب قيمة الشركة أو أرباحها مثلا تضاف هذه الأصول غير الملموسة إلى الأصول الملموسة التي تشمل الأراضي والمركبات والمعدات والمخزون والسندات والأسهم وغيرها.

لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار أو إغفال ازدياد الاهتمام بالابتكارات التي تقودها التكنولوجيا للأصول الافتراضية، وقد أفادت شركة IDC العالمية لمعلومات السوق أن الإنفاق المباشر على تقنية «بلوك تشين» التي يمكن وصفها بأنها خط انتاج الأصول الافتراضية ارتفع بأكثر من 50 ‎%‎ في عام 2021 مقارنة بالعام الماضي ومن المتوقع أن يتجاوز 19 مليار دولار أمريكي في عام 2024، وأن عدد الأشخاص حول العالم الذين يستخدمون محافظ رقمية يمكنها تخزين وإدارة العملات المشفرة من خلالها تجاوز 75 مليونًا حتى منتصف العام الماضي.

ووفقًا للمثل القائل: «إذا لم تستطع إيقاف قطار جارف بيديك العاريتين، فاعمل على أن تتخذ لنفسك أفضل مركبة فيه»، فإن كثيرا من الدول والمشرعين والمصارف المركزية وشركات التقنية حول العالم تتعاطى بحذر أو اندفاع متفاوت مع التطورات المتسارعة في مجال الأصول الافتراضية، فالجميع حذر، لكن لا أحد يريد أن يتخلف عن الركب.

ولقد أصدر مصرف البحرين المركزي في نوفمبر من العام الماضي ورقة إرشادية تهدف إلى تقديم إرشادات لجميع المرخص لهم الخاضعين للرقابة والإشراف من قبل المصرف بشأن الأنشطة المشبوهة المتعلقة بإساءة استخدام الأصول الافتراضية، وذلك بهدف منع استخدام هذه الأصول في أغراض غسل الأموال وتمويل الإرهاب، دون أن ننسى في هذا الصدد أن مملكة البحرين تبوأت في شهر سبتمبر الماضي، وللعام الثاني على التوالي، المرتبة الأولى عربيًا، والثانية على مستوى دول الشرق الاوسط، من حيث الأقل خطورة إزاء جريمة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، وذلك وفق مؤشر بازل لمكافحة غسل الأموال.

وفي تقرير نشرته صحيفة «الأيام» مؤخرًا، حذر كبار العقاريين في البحرين الشباب والمتقاعدين من شراء أراضٍ في العالم الافتراضي، وعدم الانجرار وراء الأخبار الدعائية التي توهم بالربح السريع والانتقال إلى طبقة المليونيرية في أشهر معدودة معتبرين أن شراء أراضٍ في العالم الافتراضي بمنزلة استثمار وهمي، وإن استمر سنوات فإن نهايته خسارة كل المدخرات، وخصوصًا أنه ليس له صلة بالعالم الحقيقي.

ويأتي التحذير مع تطور الاستثمارات في العالم الرقمي وتزايد الاهتمام بعالم «ميتافيرس» وتعني «ما وراء الكون»، خصوصًا بعد إعلان شركة كندية شراء أرض افتراضية مساحتها 560 مترًا مربعًا افتراضيًا بقيمة 2.4 مليون دولار في صفقة هي الأكبر من نوعها على منصة «ديسنترالاند» وانتشار ترويجي واسع في المواقع الإلكترونية لشراء الأراضي الافتراضية، كما أن هناك الكثير من الأخبار حول العالم بشأن تداول أصول افتراضية من خلال نظام NFT أو الرموز غير القابلة للاستبدال.

لا أحد يستطيع التنبؤ تمامًا بما سيكون عليه المستقبل، لكن على العقلاء والنافذين وأصحاب القرار أن يأخذوا العبر من مسلسلات مثل «لعبة الحبار» وأفلام تعري الواقع مثل «الجوكر» و«لا تنظر للأعلى»، وأن يسارعوا إلى إعادة تصميم النظام العالمي المالي والاقتصادي بطريقة تضمن للبسطاء الحد الأدنى من مستلزمات العيش بكرامة، وإلا لن يكون هناك مكان هانئ لعيش الأثرياء.

لكن هل فكر الدهاة الأثرياء من أمثال إيلون ماسك وجيف بيزوس بذلك قبلي واحتاطوا له من خلال مساعيهم الحالية لبناء مساكن في الفضاء في حال طردناهم نحن الفقراء من الأرض؟ ربما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها