النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12230 الأحد 2 أكتوبر 2022 الموافق 6 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:51PM
  • المغرب
    5:23PM
  • العشاء
    4:11PM

كتاب الايام

توازن القوى الإيجابي

رابط مختصر
العدد 11964 الأحد 9 يناير 2022 الموافق 6 جمادى الآخر 1443

من ابرز اسباب استمرار حالة عدم الاستقرار والشد والجذب في منطقتنا هو اختلال توازن القوى مما يجعل اي تدخل خارجي او حتى عمل اقليمي عنصر بالغ التأثير على الاستقرار الاقليمي. وتوازن القوى لا يقتصر على تعادل القوة العسكرية، انما هو مفهوم اوسع من ذلك بكثير اذ يتسع فشمل التوافق الدولي على هذا التوازن الاقليمي وان لم يكن هناك توافق دولي فلن ينفع اي دولة تمتلك تفوقا عسكريا اقليميا ولا تملك توافقا دوليا لدعم والاعتراف برعايتها لتوازن القوى الاقليمي، وهذا يدخل في صلب الاشكالية التي نعاني منها في المنطقة، اذ نرى تأثير اختلاف الادارات الامريكية على استقرار المنطقة على الرغم من امتلاك دول مجلس التعاون من الامكانات ما يمكنها من تحقيق توازن ايجابي لصالحها. 

العنصر الاخر الذي يجب على دول المنطقة العمل على تفعيله هو القدرة على التأثير المباشر وغير المباشر في استقرار او عدم استقرار الدول الاخرى والتي هي طرف مقابل لتوازن القوى وبالذات ايران. فدول الخليج من اكثر الدول التي تلتزم بمبادئ حسن الجوار وتحترم المواثيق الدولية ولا تتدخل في شؤون الدول الاخرى بشكل يخل باستقرار الدول وينشر الفوضى والدمار فيها كما تفعل ايران، لايمانها والتزامها بمبادئ ويستفاليا ولتوافق هذا النهج مع اخلاق وقناعة دولنا، ولكن لتحقيق التوازن والاستقرار المطلوب للمنطقة يجب اللعب وفق قواعد (المدرسة الواقعية الجديدة) والتي تحتم امتلاك كل ادوات القوى لكي تحافظ الدول على مصالحها واستقرارها وتوسع من نفوذها، فتخلي الدول عن السعي لامتلاك هذه الادوات يكون غالبا عنصر قوة ومكسب للطرف الاخر الذي يسعى لتوسيع نفوذه وهيمنته على المنطقة، وتتحول الدول المقابلة من دول فاعلة الى دول تواجه تحديات وجودية. 

وما لم تلمس ايران مثلا قدرة دول مجلس التعاون على التأثير المباشر والغير مباشر على الداخل الايراني -ايران نفسها تفعل ذلك في اغلب دول المنطقة وعلنا- فلن تتمكن دول المنطقة من فرض ارادتها ومصالحها بما فيها استقرار المنطقة الذي يعد مطلبا اساسيا ليس فقط لدول المجلس انما مسعى دولي من اجل الحفاظ على مصالح المجتمع الدولي في حرية الملاحة وامدادات الطاقة والسلم الدولي. وايران تمتلك العديد من المناطق الرخوة التي لن يستطيع النظام الايراني السيطرة عليها لو اشتعلت بشكل متزامن ومدروس سواء منطقة الاحواز المحتلة او الاقاليم الحدودية للبلوش والاكراد والآذارية وغيرهم من قوميات تعاني من ظلم وقمع النظام الايراني لها وتعيش في ظروف صعبة جدا لا تتوافق مع امكاناتها وطموحها. 

كذلك يجب العمل بشكل متواز مع الدول الاخرى التي لديها مصالح داخل ايران مثل روسيا والصين والهند وافغانستان وباكستان وغيرهم، العمل اما على تحييدهم او نقل مصالحهم معنا حتى وان بقيت لهم مصالح في الداخل الايراني لكننا من نضمنها لهم ونقدر على تعزيزها وهذا لن يتم من غير ادوات القوى والتأثير التي نستطيع امتلاكها بكل سهولة لو توافرت الارادة والمشروع المتكامل والتوافق الاقليمي والدولي. 

امتلاك هذه الادوات يتطلب حراكا استخباراتيا وميدانيا غير مسبوق ويتطلب حراكا دبلوماسيا اقليميا ودوليا بالغ التأثير والديناميكية ويتطلب توسعة دائرة التحالفات ومنظوماتها وعدم الاكتفاء بالمنظومات التقليدية، فها هي امريكا رغم امتلاكها لتحالفات تقليدية واسعة وتقود اغلبها الا انها تعمل على تفعيل منظومات جديدة مثل تحالف اوكاس (AUKUS) بينها وبين استراليا وبريطانيا من اجل الحصول على اكبر قدر من المرونة والتأثير واكبر قدر ممكن من الادوات المتاحة للتأثير في الوضع الراهن او المستقبلي اما بالتلويح او العمل الفعلي. 

ولن يتحقق ذلك ما لم نفهم عقلية النظام الايراني وكيف يفكر ويتفاعل وماهي ادواته وما درجة التأثير الواقعي - وليس المبالغ فيه - التي يمتلكها النظام، فإدارة بايدن تبالغ جدا في تقدير قدرة النظام على التأثير وتبالغ في تقدير شرعية وشعبية النظام في الداخل الايراني بينما ادركت ادارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب قدرات النظام الفعلية فاستطاعت ان تتعامل معها بشكل واقعي مثل عملية اغتيال ثاني اهم شخصية في النظام (قاسم سليماني) من غير اي اعتبار لتهديد ووعيد النظام الايراني برد مزلزل لم يتجاوز في الواقع صواريخ محدودة اصابت بهم منشآت داخل العراق من دون اي تأثير، وهذا ما فضح استراتيجية النظام الايراني في استخدام عملاء خارج اراضيها وجماعات عابرة للحدود لتنفيذ سياساتها من غير ان تدفع هي الثمن، فالنظام الايراني اجبن من ان يواجه بشكل مباشر ولا يملك القدرة على ذلك. بينما يعلم الجميع ما تسعى ايران لتحقيقه عبر استغلال سذاجة ادارة بايدن في المفاوضات النووية كما يقول الكتاب جاك واليس سايمونز في مقالة نشرتها ذا سبكتيتير «انه من الواضح جدا ان خطة طهران هي ان تنبي بمكر قدراتها التقليدية والنووية من دون استفزاز امريكا او حلفائها تدفعهم بسببه لرد فعل وخيم». 

وذكر الكتاب بتحذير السيناتور الديمقراطي كريس مورفي عندما كتب بخوف وهلع على تويتر عن صدمته من تهور ادارة ترامب في تصفية قاسم سليماني من دون موافقة الكونغرس مما يحتمل ان يشعل حرب اقليمية ضخمة كما تصور السيناتور الامريكي، بينما الواقع هو مثلما يعرف الجميع الان ان قدرات ايران التوسعية وقدرتها على اشعال الفوضى والدمار تراجعت بشكل كبير بعد هذه العملية الدقيقة والفعالة، ولم ير العالم حتى بعد مرور سنتين على اغتيال سليماني اي رد فعل يذكر، فهذه هي اللغة التي يفهمها النظام الايراني ويتجاوب معها وليست لغة الحمائم ولا المبالغة بقدراتها بشكل غير منطقي يحد من القدرة على ردعها والتعامل السليم معها، مما يكون معه امن واستقرار المنطقة هو الثمن. 

ومقابل كل هذه الادوات التي تقع في الاطار الخارجي، تبقى اهمية تطوير القدرات الذاتية لتعزيز امكانات دول المنطقة ومن دونها لن تنفع الادوات السابقة في الحفاظ على اي مكسب. والقدرات الذاتية تتسع وتشمل القدرات العسكرية التقليدية والغير تقليدية، وتشمل القدرة على التعامل مع عملاء ايران في المنطقة وما يمثله تحدي مواجهة جيوش نظامية مع جماعات ومليشيات غير نظامية، وتشمل تعزيز الاستقرار المحلي والنمو الاقتصادي والتوافق والتكاتف حول ذات الاهداف ضمن ما يعرف بقدرة الدولة على «امننت» securitization اهدافها مما يسمح لها بتوجيه امكاناتها نحو تحقيق هذه الاهداف بدعم وتوافق شعبي ورسمي، وايضا امتلاك الادوات الحديثة من قوى ناعمة وقوة ذكية مؤثرة بالاضافة لادوات القوى الصلبة، عبر شبكة استثمارات اقتصادية تمتلك القدرة على التأثير الدولي في صنع القرار وكسب الراي العام الدولي، وادوات التأثير الاجتماعي والاعلامي والقوة السيبرانية الدفاعية والهجومية وتوظيف الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الاتصال في تعزيز القدرات، تزامنا مع تحقيق نمو اقتصادي ينعكس بشكل ملحوظ على شعوب المنطقة ويساعد على توحيد الجبهة المحلية. 

مفهوم توازن القوى الايجابي الذي اقصده هو ان يكون ميزان القوى لصالح وفي يد الدول الايجابية التي تسعى لتحقيق التنمية والرفاه والاستقرار للمنطقة وشعوبها ولا تمتلك مشاريع توسعية ولا ايدولوجيا تسعى لفرضها بالقوة على الاقليم. ويتحقق الاستقرار عندما تستطيع الدول الايجابية ان تفرض ترتيباتها وشروطها لتوازن القوى الاقليمي مما يضمن لها الاستقرار المنشود ويعزز مصالحها وتمتلك ادوات التأثير وتغيير الموازين لتعديل كفة الميزان متى ما مالت في الاتجاه السلبي، وبذلك يكون توازن القوى في يدهم ولا علاقة له بتعادل الامكانات والقدرات مع الطرف الاخر. 

من الضروري الاشارة هنا الى اننا كنا نتمنى الترويج لسياسات واستراتيجيات تركز فقط على التنمية والتقدم ولكن الجغرافيا السياسية هي التي تفرض علينا ما يجب علينا القيام به، ومع وجود دول اقليمية مثل ايران لديها مشاريع توسعية واطماع معلنة في جيرانها ومع محاولاتها المستمرة لنشر الفوضى والدمار في المنطقة ومع دفع عدد من دول المنطقة ثمنا بالغا من سيادتها واستقرارها وحتى وجودها مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن، فلا يمكن ان نتبنى خيارات وردية لا علاقة لها بالواقع المعاش، انما يجب علينا ان نسعى بكل قوة لتحقيق الهدفين معا، التنمية والخير والتطور بالتزامن مع تحقيق توازن القوى الايجابي الذي يضمن استقرار المنطقة وفق الترتيبات التي نحددها والتي تضمن لنا ايضا مصالحنا وتخدم تطلعات شعوب المنطقة بالعيش بسلام والاستفادة من خيرات دولها ونقل المنطقة من منطقة مضطربة لمنطقة مستقرة تكون ركيزة التقدم والسلام الدولي. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها