النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12092 الثلاثاء 17 مايو 2022 الموافق 16 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:23AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

البشير شو...

رابط مختصر
العدد 11962 الجمعة 7 يناير 2022 الموافق 4 جمادى الآخر 1443

 غالباً ما تكون القضايا السياسية والاقتصادية وما تفرزه من الاشكالات الاجتماعية التي تشهدها المجتمعات العربية في فترات التحول والانتقال إلى الجديد المجهول هدفاً للخطاب الإعلامي بشكل عام، والخطاب الساخر بشكل خاص. فالسخرية بوصفها أداة خطاب، أكثرُ قبولاً لدى الطبقات الشعبية البسيطة من اللغة الرسمية النخبوية الجامدة التي تنتقى مفرداتها من قواميس اللغة، وهي أحد الأساليب الفنية التي تتطلب مهارة التلاعب بمقاييس الأشياء فتضخّم المصغَّر وتصغّر المضخَّم وتوظف هذه المهارة في خلق رأي عام يناهض سياسة من يوجه ضده هذا الخطاب ويعمل على تقزيمها بعيون الفئات الشعبية.

 وعادة ما تخرج اللغة الساخرة عن الأطر المتعارف عليها في التناول وتتفلت من القيود الاجتماعية، وهذه ميزة تحسب لها وليست عليها، كما أنها تتميز بجرأة تتجلى في تبسيطها الموضوع أو الخبر المتناول وعرضه بلغة بسطاء الشارع حتى يسهل عليهم هضمه والتفاعل معه. ويتعين القول هنا إن الإعلام في مسيرته الطويلة حمل أشكالاً وفنوناً من الخطابات السياسية الساخرة، فمنها ما احتضنته الصحافة المقروءة وقُدِم في شكل مقالات أو في شكل رسوم كاريكاتورية وبرع كثيرون في هذين الفنين. ولعلّي هنا أشير إلى أن الفرق بين الكتابة الساخرة والكاريكاتير الساخر من جهة وبين البرنامج التلفزيوني الساخر هو أن الفنين الأولين يقضيان بأن يكون متلقيهما على مستوى معين من الثقافة والفهم كي يستطيع تفكيك المكتوب والمرسوم، فيما يكون البرنامج التلفزيوني بالمفردات الدارجة التي يقدم بها في متناول فهم عامة البسطاء وقليلي التعليم وقائما على رسائل هي سهام تردي بالقول الساخر موضوع السخرية مضرجاً بخذلانه.

 هذه المقدمة ليست من باب ترف فلسفي في تناول موضوع المقال، وإنما هي ضرورية لأمهد للحديث عن برنامج «البشير شو» وهو واحد من البرامج الساخرة التي تتصدى بالجرأة والشجاعة المطلوبة لمواجهة تيارات سياسية مسخة ولاؤها خالص لإيران شاءت الأقدار أن تكون أمريكا رافعتها إلى الإجهاز على السلطة في العراق لتغلب مصالح إيران والمذهبية المجوسية على مصالح العراق والقوميات المكونة لجسم العراق منذ القدم، كما أن مثل هذا الخطاب يتصدى لبعض المسائل الاجتماعية التي تسيء لتطور الدولة المدنية في العراق، ولهذا فإنه يحظى بمشاهدات مليونية، كان لها مع وسائل أخرى طيب الأثر على إبقاء صوت القومية العربية مسموعاً وسط ضجيج من اللغو الطائفي الذي وسم المجتمع العراقي منذ العام 2003. 

 أحمد البشير جال وارتحل بين أكثر من قناة تلفزيونية بسبب عدم ضيق المساحة الديمقراطية التي تتبجح بها تيارات الإسلام السياسي الحاكمة والتي تضغط على أنفاس الشعب العراق بالنار والحديد و... الخرافة، إلى أن استقر به المقام وبرنامجه في قناة «دوتش فيليه» الألمانية التي تبث بالعربية ويرمز لها بـ«DW» بالإضافة إلى تقديمه على قناة «يوتيوب». البرنامج يتابعه الملايين من المشاهدين من مختلف البلدان العربية وغير العربية؛ نظرًا لما يمتاز به من طرح معبر عن هموم العراقيين وتطلعاتهم في جعل العراق وطنا لجميع مكوناته وليس كما تسعى له الميليشيات الولائية من أجل حرفه ليكون إيرانيًا خالصًا. 

 الشاب أحمد البشير من خلال برنامجه «البشير شو»، وأنا لا أقلل هنا من قيمة البرامج الحوارية الأخرى التي لها دور مقدر في فضح برامج الميليشيات وإظهارها على حقيقتها في تعاملها مع الشعب العراقي ومع قيم العراق التاريخية، يوجه انتقاده المباشر لكل رموز الفتنة المجتمعية العراقية وهو في ذلك لا يحابي أحدًا أبدًا، فيسمّي الطائفي طائفيا والإرهابي إرهابيًا والمجرم مجرما والقاتل قاتلاً، وهكذا. ظهر هذا البرنامج في وقت يحتاجه المجتمع العراقي ويسهم في الإبقاء على جذوة الوطنية العراقية وانتماء العراق إلى محيطه التاريخي. وليس غريبًا أن ينحاز برنامج «البشير شو» إلى حراك تشرين 2019 الذي هزّ أركان النظام الطائفي هناك.

 ولكي تتعرف قارئي الكريم على أهمية هذا النوع من الخطاب الساخر الموجه للتأثير في الرأي العام وحرفه عن أن ينساق إلى بهتان الجماعات الدينية المتطرفة، لك أن تسترجع من الذاكرة برنامج «مع سعيد الحمد»، وهو البرنامج الذي قدمه الإعلامي والصحافي الكبير سعيد الحمد ووصل صداه إلى دول الإقليم قاطبة، بسبب مفرداته المنتقاة بعناية شديدة ليخاطب باللغة البسيطة التي نعنيها هنا جميع فئات المجتمع، ويجذبهم إلى الشاشة للتعرف على ما كان يُخطط للمجتمع البحريني من مكائد. لقد غاص البرنامج عميقاً في ذاك الحراك الطائفي ليثبت للجمهور لماذا كان ذاك الحراك طائفياً، فكان موجعاً بحق لمن وجه ضدهم. أفلم يكن برنامجاً ممتعاً للمشاهدين، موجعاً لأهل الدوار والمغرر بهم وكل تيارات الإسلام السياسي، مقوياً للروح الوطنية، مؤثراً في تغيير المزاج العام في وقت كنا فيه في حالة ذهول مما يجري؟ لهذا نقول بأهمية الإعلام الساخر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها