النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

بصمة المفكر إسحاق الشيخ في مشروع التنوير

رابط مختصر
العدد 11961 الخميس 6 يناير 2022 الموافق 3 جمادى الآخر 1443

الآراء والافكار والتصورات والتخيلات انعكاس لطبيعة الانسان، ان كانت كلمات منطوقة او كلمات مسطورة او لوحات فنية او انغاما موسيقية، وهذه الانعكاسات تتدرج في الجودة والقيمة الانسانية بين السمين والغث، بين المضيء والمظلم، بين الصالح والطالح، بين الفضيلة والرذيلة.. فهذه الانعكاسات تعبير كاشف لطبيعة صاحبها.. وخير الآراء والافكار والتصورات هي تلك التي تحمل اشعة من النور تنور العقول وتضيء الطريق وتسلط الضوء على الحقائق والوقائع، اي تلك التي تحمل رسالات التنوير لخير البشرية. رسالات التنوير قديمة قدم وعي الانسان بذاته ومن ثم لذاته، وجميع الرسالات منبعها الطبيعة الخيرة المغروسة في اعماق نفوس حامليها، وكل ما تكتسبه هذه النفوس الخيرة من بيئتها، من علم ومعرفة وخبرة، تخدم به رسالات التنوير. التنوير مهمة انسانية يعود تاريخه الى ما قبل سقراط وإلى يومها هذا، وهم قلة بين زحمة الملايين والمليارات من بني البشر. هؤلاء، رغم قلتهم، هم الذين ساهموا وصاغوا كل خطوط التقدم البشري في جانبه الأهم وهو علاقة الانسان بالانسان، على قاعدة مبدؤها «ان الانسانية الحقة لا تكتمل إلا باحترام كرامة كل البشر وتأمين حقوق الجميع دون تمييز ولا تمايز». هذا هو المبدأ الذي تسلط عليه الانوار من اصحاب الرسالات التنويرية، وهم يناهضون ويكافحون ضد القوى التي تسعى لاستغلال الانسان واستعباده. ان الانوار التي تضيء الطريق امام الانسان وتسلط الضوء على طبيعة الانسانية الحقة تمتد ببعدها الزمني والمكاني، وامتدادها في جذور التاريخ ومن اقصى الغرب الى اقصى الشرق، ومنطقتنا العربية شاهدة على بصيص من اشعة تلك الانوار. هؤلاء هم حملة الاقلام التي تسطر الافكار التنويرية، وهم بهذا الجهد التنويري يتربعون على عرش النضال من اجل التنوير.. والنضال هو التنوير بكامل ابعاده أفقيًا وعموديًا، هو تسليط الضوء على الواقع وكشف الحقائق وانارة الطريق امام الانسان للتقدم الى الامام، وهذا هو النضال الذي يمتد جذوره الى ايام سقراط وافلاطون ويمتد إلينا في زمننا الحاضر ونحن شهود على مفكرين تنويريين عرب من امثال طه حسين في مصر وعلي الوردي في العراق وعبدالله القصيمي في المملكة العربية السعودية والاديب المفكر اسحاق الشيخ يعقوب الذي جمع وطنيته بين منشئه في الجبيل في المملكة العربية السعودية ومستقرة في وطنه الثاني البحرين..

اصحاب الرسالات واقلام التنوير، في الخليج العربي، عديدة وهي حديثة العهد مقارنة بمصر والشام والعراق، ومن ابرز الاقلام هو الاديب والمفكر والمناضل اسحاق الشيخ يعقوب، الذي مسك قلم التنوير منذ اربعينات القرن الماضي الى نهاية عام 2020 عندما دعته الطبيعة ان يستريح وينضم الى الخالدين في ذاكرة التاريخ ويسلم عهدة القلم الى غيره من الجيل الشاب في دول الخليج ممن يتمتعون بفضيلة الدفاع عن حقوق الانسان وكرامته، لقد اضحى اليوم مع الاستراحة الخالدة مصباحًا في ذاكرة الذين احبهم ويحبونه والذين عرفوه حق معرفته والذين تعلموا منه واستمتعوا بمجلسه وكرم ضيافته. الاستاذ الصديق اسحاق الشيخ اديب بشخصية ادبية مميزة، فهو يصيغ افكاره ويصف الشخصيات والاحداث والوقائع بجمالية في التعبير تتخطى ادوات البلاغة التقليدية، ويتميز بتصريف الكلمات وتشكيلها من اجل ان يضفي عليها جمالًا في مجمل التعبير، وهذا نهجه في جميع ما ينتج من كتب ومقالات، انه قلمه المميز، وهو مفكر لما يملكه من قدرة ذهنية مرنة وقوية لخوض غمار مجالات فكرية عديدة، فلسفية وسياسية واقتصادية واجتماعية ودينية وصوفية، تقتضي سعة المعرفة وعمق التفكير والتجرد من المسلمات المسبقة والتعاطي مع الاختلافات والتناقضات بصبر وسعة صدر، وهو يجند ادبه وفكره في مهمة نضالية باصرار ومثابرة وجهد لا يكل ولا يعرف الراحة ولا الاستراحة. ان هذا الثالوث الذي يتجمع في شخصية واحدة ويجمع بين الادب والفكر والنضال هو من النوادر بين الادباء والمفكرين، فهو اديب من اجل النضال، ومفكر من اجل النضال، وبالمعنى الادق فقد عاش كل حياته من اجل النضال اي من اجل حقوق الانسان وكرامته...

ترك للحاضر وللمستقبل، للجيل الحاضر وللاجيال القادمة، ارثًا تنويريًا غنيًا من ألوف المقالات، التي مازالت قضاياها حية، وعددًا من المؤلفات الادبية والفكرية، على سبيل المثال لا الحصر (مطارحات فكرية، بصمات وجدانية، موج البحر، في الثقافة والنقد، اني اشم رائحة مريم، العلمانية طريق التقدم، وجوه في مصابيح الذاكرة، في حضرة جلال الدين الرومي...)، وكل هذه المؤلفات يشع منها ادبًا بليغًا جميلًا مميزًا مطعم بفكر متجدد عميق يرتكز على سعة المعرفة بتعدد مشاربها وتنوع روافدها، ويخط من الأدب والفكر طريق عمل من اجل التقدم الى الامام، على قاعدة «ما العمل؟» لبناء وطن للفرد وأوطان للبشرية، وتكون الحقوق مضمونة والكرامة مصونة، وتعم روح التعاون بين الانسان والانسان وبين الوطن وبقية الاوطان.. هذه المؤلفات هي بصمات ابن الشيخ في مشروع التنوير بجانب من سبقوه من كبار الادباء والمفكرين والفلاسفة منذ فجر التاريخ، وهي مراجع للجيل الحاضر والاجيال القادمة من اجل اثراء الارث الانساني الذي تركه هؤلاء العظماء الذين كانوا يحرصون على نشر الفضيلة عبر وسائل التنوير والارتقاء بذاتية الفرد الى الذات الانسانية الشاملة والجامعة.. هذا المشروع التنويري هو مصباح الانسان في سيره على دروب الحياة عبر ممرات الزمن، ويسطر به خطوط التاريخ بكلمات من نور. لقد ترك الفقيد الراحل للاجيال القادمة كنزًا من اشعة نور تنير الطريق الى حقوق الانسان وعزته وكرامته، وهذه هي المهمة الخالدة التي نادى بها كبار المفكرين والفلاسفة العظام منذ الوف السنين، وكان قد استلم الاديب المفكر المناضل اسحاق يعقوب الشيخ هذه العهدة من اؤلئك العظماء واضاف اليها ومن ثم سلم العهدة الى من هو قادر ومستعد ان يتسلمها ويبادر الى دراسة توصياتها وتنفيذ مهماتها.. وهكذا فإن رسالات التنوير تتواصل اشعتها عبر القرون والسنين مادام الانسان يعي ويشعر بأن ذاته كريمة عزيزة لا تقبل الغبن ولا الظلم ولا الذل.. ما دامت هذه الاشعة ساطعة فإن انسانية الانسان بخير والآمال حية تتنفس وتتجدد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها