النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

الدبلوماسية البحرينية.. تاريخ وإنجازات

رابط مختصر
العدد 11959 الثلاثاء 4 يناير 2022 الموافق غرة جمادى الآخر 1443

مع بداية العام الجديد تكون الدبلوماسية البحرينية قد أسدلت الستار عن أحد أهم إنجازاتها الدبلوماسية، وهو إقامة علاقات دبلوماسية مع دولة إسرائيل ووصول سفيرها إلى تل أبيب ليقدِّم أوراق اعتماده ومباشرة أعماله في بناء علاقات اقتصادية وتجارية واستثمارية وأخرى متعددة، وبذلك استطاعت الدبلوماسية البحرينية كسر جدار الصمت وتجاوزت التوقعات بتطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل خدمةً لمصالحها ومصالح الأمة العربية، خاصةً ما يتعلَّق منها بالقضية الفلسطينية وقيام دولة فلسطين المستقلة جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل بعد أن ظلَّت القضية الفلسطينية لعقودٍ طويلة قضية دائمة في دهاليز الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي دون تحقيق أيّ تقدُّم يُذكر لأسباب كثيرة منها الفيتو الأمريكي ضد كل قرار من شأنه التوصل إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي، الذي استخدمته الإدارة الأمريكية أكثر من 40 مرة منذ تأسيس الأمم المتحدة. 

لذلك كانت رؤية الدبلوماسية البحرينية بأن الحوار والمفاوضات والتواصل المباشر مع إسرائيل هو السبيل الأمثل لحل القضايا الخلافية بدلاً من المعارك والحروب التي يشهد التاريخ بأنها المصدر الأساس للدمار والعداوات التي ظلَّت كالنار تحت الرماد سرعان ما تثور لتعلن عن فصل جديد من الصراعات والدماء. 

فقد أدركت مملكة البحرين - الصغيرة بحدودها الجغرافية والكبيرة بتطلعاتها الحضارية التي اكتسبتها تحت ظل الحكم الخليفي منذ القرن الثامن عشر الميلادي - أهمية العمل على إقامة علاقات صداقة مع محيطها الإقليمي والدولي قائمة على مبادئ حُسن الجوار وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول وفض المنازعات بالطرق السلمية، وهي المبادئ الأممية التي تأسَّست عليها السياسة الخارجية البحرينية، واستطاعت بالرؤية السديدة والنظرة المستقبلية الشاملة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المفدَّى أن تحقِّق نتائج مهمة جداً وخطوات ملحوظة ومتقدِّمة من التطور الحضاري على كل المستويات، وربما تكون مملكة البحرين هي الدولة الوحيدة في العالم التي استطاعت حل كافة الخلافات والمشاكل سواء مع دول مجلس التعاون أو مع دول الجوار الإقليمي بالطرق السلميّة الدبلوماسية، والشواهد على ذلك متعدِّدة، ومنها: 

أولاً: استكمال الاستقلال وإنهاء الادّعاءات الإيرانية الباطلة إلى الأبد، بعد توسّط الأمم المتحدة بإرسال وفد أممي لتقصى الحقائق، واستكمال استقلال البحرين الناجز الذي أقرَّه مجلس الأمن الدولي بالإجماع في جلسة تاريخية، لتؤكِّد البحرين التزامها بإقامة علاقات صداقة مع طهران قائمة على حُسن الجوار والاحترام المتبادل. 

ثانياً: أدى استكمال استقلال البحرين عام (1971م) وسقوط المطالبات الإيرانية بالبحرين إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات البحرينية الإيرانية بالتوقيع على جملة من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والاستثمارية وترسيم الحدود البحرية كاتفاقية الجرف القاري. 

ثالثاً: دخلت البحرين في مفاوضات شاقة مع إيران عام (2010م) استمرت يومين متتاليين في وزارة الخارجية الإيرانية متسلّحة بالقوة الناعمة لمناقشة الحدود البحرية الشمالية للبلدين وما يسمى بالنقطة الثلاثية المشتركة التي أثارتها دعوة وزارة النفط الإيرانية لشركات النفط العالمية للاستثمار فيها وتطويرها، وقد نجحت سياسة القوة الناعمة التي انتهجها الوفد البحريني - الذي كنت رئيسا له - في تحقيق مكاسب دفعت حدود البحرين إلى حوالي (2 كيلو بحري) بقناعة تامة من الوفد الإيراني المفاوض الذي كان صعب المراس. 

رابعاً: تمكَّنت البحرين بفضل دبلوماسيتها بقيادة سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير الخارجية آنذاك من إنهاء خلافاتها الحدودية مع دولة قطر حول جزر حوار في محكمة العدل الدولية رغم الظروف الصعبة التي مرَّت بعملية عرض الخلاف الحدودي في القمة الخليجية بالدوحة عام (1990م). 

تلك كانت بعض المحطات المهمة في تاريخ العمل الدبلوماسي والسياسي التي توثّق الأسلوب الحكيم الذي انتهجته البحرين وقيادتها الرشيدة المتمثِّلة في سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير الخارجية آنذاك في حلّ خلافاتها مع جيرانها، واستخدامها للقوة الناعمة كوسيلة سلميّة تعكس احترامها لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تدعو للتفاوض السلمي لحل المشاكل العالقة، مما مكَّن البحرين من تحقيق مكاسب وتأكيد لحقوقها السيادية التي كانت تتطلَّب حكمةً ورؤية سياسية عمليّة وبُعد نظر وتقييم واقعي للأحداث والتطورات المحيطة، فأصبحت البحرين تمثِّل صورة رائعة وجميلة لمبادئ الحب والسلام، وردَّ عليها العالم بالتقدير والاحترام لقيادتها وشعبها الأصيل. 

وقد استطاعت البحرين اختراق جدار الصمت وتجاوزت الخطوط الحمراء بكل ثقة واقتدار عام (2011م) عندما تقدَّمت بمذكرة دبلوماسية إلى وزارة الخارجية الأمريكية باعتبار السيد توم مالينوسكي وكيل وزارة الخارجية المساعد للديمقراطية وحقوق الإنسان وشؤون العمَّال شخص غير مرغوب فيه وعليه مغادرة البحرين، وعندما خاطبت شقيقاتها دول مجلس التعاون لإرسال قوات درع الجزيرة لحفظ وحماية المنشآت الحيوية في البلاد، فأوقفت بذلك الجهود الأمريكية لتنفيذ مخطط الربيع العربي ذو الأهداف التخريبية من أجل قيام أنظمة حكم على الطريقة الطائفية الدينية وولاية الفقيه في دول مجلس التعاون، بدعم مالي من جهات ودول عربية مختلفة. 

كما كانت مملكة البحرين الدولة العضو الوحيدة بمجلس التعاون التي باركت ورحَّبت بصراحةٍ تامّة بمبادرة المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بـ (الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد) وأعلنها في القمة الخليجية (32) التي عُقدت في الرياض في (ديسمبر 2011م)، كون (الاتحاد) حاجة أمنية وسياسية واقتصادية ضرورية في ظل التطورات الخطيرة والأوضاع الأمنية التي تشهدها المنطقة بسبب التحول الاستراتيجي الامريكي تجاه دول المجلس وتفاهماته مع إيران وعدد من الدول وحالة عدم الاستقرار بدول الجوار الإقليمي، وتهديدات التنظيمات الإرهابية لأمن دول المجلس، وما يتطلبه ذلك من اتخاذ قرار قيام الاتحاد الخليجي لإرساء قواعد جديدة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي، خصوصاً بعدما تسبَّب (الربيع العربي) في انهيار عدد من الأنظمة العربية، ونهاية مشروع الوحدة العربية والتعاون والعمل العربي المشترك بعد القمة العربية الطارئة التي عُقدت في القاهرة في (10 أغسطس 1990م)، إلا أن (الانتقال من مرحلة التعاون إلى الاتحاد) أصبح بنداً ثابتاً على جداول أعمال اجتماعات المجلس الوزاري والمجلس الأعلى للقمم الخليجية بكل أسف، فاستمرت مشاهد القلق والتوتر قائمة وعلّ أبرزها هي الأزمة التي عصفت بمجلس التعاون في (يونيو 2017م). 

إن الانجازات والنجاحات المتميزة التي حققتها الدبلوماسية البحرينية على مدى تاريخها الطويل ما كانت لتتحقَّق لولا الدعم والمساندة التي لقيتها من قبل القيادة الرشيدة ولولا وجود قامة بارزة منذ الاستقلال قادت العمل السياسي والدبلوماسي كسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء (شيخ الدبلوماسية العربية)، الذي وضع الأسس الثابتة للدبلوماسية البحرينية وسياسة البحرين الخارجية وعلاقاتها بدول العالم القائمة على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ومن بعده الأخ الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، الذي استكمل المسيرة الدبلوماسية ونهج محمد بن مبارك واكتساب مزيد من الثقة الدولية والاقليمية بالدور المهم للبحرين في المنطقة والأخ الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، الذي له دور وبصمات واضحة في فتح آفاق اوسع للعمل السياسي والدبلوماسي وقيادته بما يتناسب والتطورات التي تمر به البحرين فيما يخص علاقاتها الخارجية بكافة دول العالم والتجديد الاداري الدبلوماسي الداخلي الذي يعزز احترام دول العالم للبحرين ومكانتها الدولية والاقليمية.

وكل التقدير لكل من عمل وساهم بنجاح التحرك الدبلوماسي والسياسي بوزارة الخارجية بكل كفاءة واقتدار وتحمَّلوا مسؤوليات جسام على مدى خمسين عاماً وفي فترات مهمة وحساسة من التاريخ الحديث لمملكة البحرين. 

 

- المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها