النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

لماذا تجديد الخطاب الديني؟

رابط مختصر
العدد 11956 السبت 1 يناير 2022 الموافق 28 جمادى الأولى 1443

يثير مفهوم تجديد الخطاب الديني أسئلة إشكالية قد تفوق العصر، يبرز منها على نحو خاص المقصود بالتجديد وماهية الخطاب الديني المراد تجديده، ومن هي النخبة التي يمكن أن يناط بها عملية التجديد، وكذلك الأهداف التي ينبغي أن يحققها أو التي ينشدها من ذلك التجديد. تلك الأسئلة يطرحها الباحث والخبير بمركز الدراسات السياسية الاستراتيجية بالأهرام د. عبدالعليم محمد عبدالعليم. ويتضح لنا من أهمية هذه الأسئلة التي رغم بساطتها الظاهرية أنها تنطوي كما جاء في تشخيصه على تعقيدات كبيرة وتحيل أزمنة وتواريخ متباينة ومرجعيات مختلفة، فالتجديد مثلا كمفهوم ليس جديدا على الفكر الإسلامي والديني والإمام محمد عبدو كان مجددا في سياق الفكر الإسلامي وحاول في مرحلة من تطوره الفكري المواءمة بين المعتزلة والأشاعرة فيما يتعلق ببعض القضايا، ولكن تجديد الإمام عبدو ارتهن بظروف تاريخية معينة كان فيها الاستعمار مهيمنا على مقدرات البلدان الإسلامية، من ناحية أخرى فإن مفهوم التجديد في المرحلة الراهنة يأتي في حقبة العولمة التي أظهرت على السطح محورية الثقافة وأنماط القيم الدينية وغير الدينية، من ناحية أخرى فإن هذه الحقبة ذاتها شهدت ظهور الإرهاب الذي ينسب نفسه إلى الإسلام بعد 11 سبتمبر عام 2001، وتتابع ظهور التنظيمات الإرهابية بكل تلاوينها، وهو ما جعل من الإسلام وطبيعته وزعم هذه الجماعات الانتماء له مشكلة ليست وطنية فحسب ولا إقليمية فحسب بل عالمية أيضا. ومن ثم وفي ضوء هذه الظروف والملابسات الراهنة فإن مفهوم التجديد يزداد تعقيدا هو الآخر، فثمة حاجة للتجديد داخلية ترتكز على استفحال الظاهرة الإرهابية وعلاقة الإسلام السياسي بها ويستهدف هذا التجديد الحؤول دون الجماعات الإرهابية، من استخدام وتطويع النصوص الدينية لتبرير أهدافها وتنقية التراث الديني من المفاهيم الملتبسة والمغلوطة التي تستخدمها تلك الجماعة، كما أن مفهوم الدين في الخارج في الولايات المتحدة والغرب مضمونه إحداث التواؤم بين الإسلام والديمقراطية والبحث عن إسلام معتدل يتعايش مع الليبرالية وحقوق الإنسان وبين الحاجة الداخلية للتجديد والحاجة الخارجية للتجديد تتنوع الجهود ويتم تبادل الاتهامات بالتبعية للسلطة تارة وللخارج تارة أخرى. وفضلا عن تنوع الرؤى للتجديد بين الداخل والخارج واختلاف الأهداف الصريحة والمضمرة التي تكمن وراء مفهوم التجديد، ثمة مفهوم التجديد نفسه الذي يعني في أبسط معانيه الارتقاء بالقديم وتطويره بإضافة أبعاد وزوايا للرؤية لم تكن قائمة في الزمن الماضي ولكنها أصبحت ضرورية الآن بحكم الاختلاف والتطور النوعي الذي تشهده المجتمعات الإسلامية والعالم بأسره، وهل هذا في حد ذاته كافيا للخروج بالمجتمعات الإسلامية من أزماتها وإذا كانت الإجابة بنعم فما هي تلك الأبعاد والزوايا لرؤية التجديد المطلوبة؟.

أما مفهوم الخطاب الديني فهو بدوره يثير العديد من الأسئلة، ذلك أن مفهوم الخطاب بالمعنى العام هو الإنتاج الفكري والثقافي المكتوب والمصرح به للكاتب او المسؤول، وهو المقولات والمفاهيم التي ينتظم فيها ما قاله أو كتب والسؤال الذي يطرحه هنا هو عن أي خطاب ديني نتحدث؟ خطاب من الفقهاء والمفسرين والمسؤولين والشراح والعلماء؟ وفي أي حقبة من ذلك التاريخ الممتد من الجزيرة العربية إلى الأندلس ومن بدء الدعوة الإسلامية وحتى الآن مع الأخذ في الاعتبار الخطاب الديني ليس الدين نفسه. بالإضافة إلي ذلك ثمة سؤال متعلق بالخطاب الديني نفسه، ماذا يقصد به؟ هل هو المتعلق بما كتبه المفسرون والشراح والفقهاء في المذاهب المختلفة ويستثنى منه النص القرآني والأحاديث النبوية الصحيحة، أم أن الخطاب الديني الذي استحدثه جماعات الإسلام السياسي والمنظمات الإرهابية التي تنتسب للإسلام منذ عدة عقود. وعلى غرار هذه الأسئلة السابقة، فإن السؤال المتعلق بالهدف أو الأهداف ألتي ينبغي تحقيقها من وراء تجديد الخطاب الديني سؤال محوري ذلك أن هذه الأهداف وتحديدها بمقدورها أن تنير الطريق وتمهده لهذه المهمة فالهدف والوسيلة مرتبط أحدهما بالآخر، فهل نهدف من وراء التجديد المنشود التوفيق بين الإسلام وبين العصر، أم أن الهدف هو تبرئة الإسلام من الإرهاب وقطع الطريق أمام الجماعات الإرهابية التي تزعم الانتساب إلى الإسلام وتبرير أفعالها أم تجفيف منابع الإرهاب والتطرف عبر فتح باب الاجتهاد ونشر الوعي المستنير لفتح الطريق أمام المجتمعات الإسلامية لعبور محنتها أزماتها أو القيام بتأويلات جديدة للنصوص الدينية تتوافق مع حاجات المجتمعات العربية والإسلامية الراهنة للأمن والسلم الأهلي والدولة وتحقيق أهداف المساواة والعدل. إن تجديد الخطاب الديني يشمل كل هذه الأسئلة وبلورة الإجابات عنها، ولن يتمكن الخطاب الديني والقائمون بالتجديد من إنجاز هذه المهمة دون الكشف عن المسكوت عليه في التراث الإسلامي أي القيم العقلانية والإنسانية التي تشكل جوهر الإنسية العربية والتي ظهرت في جناحي العالم الإسلامي شرقا وغربا، من ناحية أخرى فإن هذه المهمة أي مهمة تجديد الخطاب الديني ليست منعزلة عن جميع الجهود الأخرى من كل المؤسسات الفكرية والعلمية لنشر الثقافة العلمية والعقلانية في النظر إلى المشكلات ومحاربة الأسطورة والخرافة، فالخطاب الديني جزء من الخطاب العام في المجتمع.

هذا الكلام يقودنا إلى أحد اللقاءات التي نظمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في باريس عام 2003 تحت عنوان «اللقاء التشاوري حول السبل العملية لتجديد الخطاب الديني»، ونعتقد أنه من المناسب أن نذكر بعض مستخلصاته الأساسية من بينها أن تجديد الخطاب (الإسلامي) ضرورة داخلية (عربية إسلامية) عميقة، تنبع من رفض العرب والمسلمين لوضعهم المتردي في العالم، وهي ضرورة لا صلة لها بمطالب بعض الدول الكبرى، حتى لو حدث تماس في لحظة من اللحظات. وهي مهمة لا تنحصر في جهد رجال الدين المستنيرين، بل يجب أن تكون من أولى مهام المفكرين العرب والمثقفين ومنظمات حقوق الإنسان، انطلاقا من النظر للإنسان باعتباره قيمة مركزية عليا، ومن أهمية تحكيم العقل في كل شئون الحياة. إن تجديد الخطاب الديني لن يؤتي ثماره المرجوة بدون إصلاح ثقافي مجتمعي ينطلق من الإيمان بنسبية المعارف، وبحقوق البشر في الحوار والمساءلة، وهو ما يعني خلق حالة فكرية اجتماعية سياسية شاملة، وفك الارتباط بين السلطات السياسية المستبدة وبين الفكر الديني المتجمد أو المتطرف. لقد أجمعت آراء المشاركين من مفكرين وأكاديميين وأدباء وشخصيات إسلامية مستنيرة عرب ومدافعين عن حقوق الإنسان، أن تجديد الخطاب الديني عامل رئيسي في تجديد الواقع السياسي والاجتماعي بأسره في العالم العربي، كما أنه لا يمكن تحقيق تجديد الخطاب الديني بدون الشروع في إصلاح سياسي شامل يشيد دعائم دولة ديمقراطية تضمن التعددية وتحمي الحريات العامة وحرية الفرد وحقه في التفكير والاختيار، وهو الحق الذي بدونه لا تتوافر حرية البحث العلمي، وخاصة في مجال الدراسات الاجتماعية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها