النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12092 الثلاثاء 17 مايو 2022 الموافق 16 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:23AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

أوهام الليبرالية الغربية مع إيران

رابط مختصر
العدد 11954 الخميس 30 ديسمبر 2021 الموافق 26 جمادى الأولى 1443

كتب المفكر الأمريكي جون ميارشيمير، والذي يعتبر من رموز مدرسة الواقعية الجديدة neorealism في العدد السابق لمجلة الفورين افيرز مقالًا مطولاً برهن فيه بالادلة والوقائع الخطأ أو الوهم -كما اسماه- الذي اتبعته مختلف الادارات الامريكية منذ انتهاء الحرب الباردة في تبني سياسة الاشراك policy of engagement، عبر إعادة دمج الصين مع المجتمع الدولي وتشبيك المصالح الاقتصادية والتجارية معها بناءً على نظريات الليبرالية الجديدة neoliberalism التي تعتقد أنه كلما زاد التشابك في المصالح والانفتاح بين الدول كلما اختفت مساحة الصراع والصدام. 

أما نظرية الواقعية الجديدة فتقوم على مبدأ أن كل دولة تسعى لتعزيز نفوذها وحماية نفسها من أطماع الآخرين، وهذا الأمر سيؤدي بشكل طبيعي لاحتمالية حدوث صدام بين الدول ذات الأطماع التوسعية أو التي لديها أجندة ومشاريع تسعى لتحقيقها خارج حدودها، وأفضل طريقة لتجنب الصدام أن تعزز الدولة من قوتها لتكون بذلك قوتها الرادع الأول أمام أطماع الدول الأخرى، ومن هذا المنطلق يرى ميارشيمير أن الصين لديها خمسة أضعاف الكثافة السكانية التي لدى أمريكا وأنها تبنّت سياسات وإصلاحات اقتصادية واسعة، ما يعتبر مؤشرًا استباقيًا لتحدي زعامة أمريكا للنظام العالمي، فكان يجب تبني سياسة إبطاء النمو الصيني بدل تشجيعه وتحفيزه وتسريع وتيرته كما فعلت الادارات الامريكية المتعاقبة. 

النمو الصيني حتمي كما يقول لكن الإشكالية في سياسات تعزيز وتسريع هذا النمو، ما أخلّ بالتوازن العالمي اعتقادًا من صناع القرار الغربي من أصحاب النظريات الليبرالية أن الصين ستتحول لصديق للغرب، منبهر بثقافتهم وقيمهم وستسعى لتقليدهم واتباعهم وستتحول الصين لديمقراطية على النمط والقيم الغربية، وهذا ما لم يحدث، بل أصبح النموذج الصيني يشكل أكبر تهديد للنموذج الغربي وللنظام العالمي، فعدم تبني سياسات توازن القوى balance of power وتبني سياسة الإشراك هو بحسب جون ميارشيمير قد يكون «أسوأ خطأ استراتيجي فعلته أي دولة في التاريخ الحديث كله، فلا يوجد أي مثال لدولة عظمى رعت وأسهمت بنشاط في نهوض قوى منافسة وموازية لها». 

وبالنسبة له أن التهديد الصيني الحالي أخطر بمراحل من التهديد الذي شكله الاتحاد السوفياتي في عزّ قوته بسبب قوة الصين الاقتصادية وعدد سكانه وتقدمه التكنولوجي مما خلق حالة جديدة من الحرب الباردة ممكن أن تتحول لحرب حارة في أي لحظة. أما بالنسبة لنا فلا يمكننا أن لا نرى استمرار هذه الأخطاء الليبرالية في تبني السياسات الخارجية الفاشلة والتي غالبًا ما يكون ثمن التعامل مع أثارها أكثر بكثير من كلفة أي سياسة اخرى كان ممكن تبينها للتعامل مع التهديدات والتحديات الناتجة من دول أخرى مثل إيران. 

فعندما تبنّت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما سياسة الانفتاح والتقارب مع إيران من أجل إعادة إدماج إيران في النظام العالمي والتجارة الدولية كغيرها من دول تحترم القوانين الدولية، عبر التفاوض على البرنامج النووي الإيراني وتشجيع الدول والشركات الأوروبية للدخول والاستثمار في السوق الإيراني الواعد وإغرائهم بالفرص الاستثمارية ورفع العقوبات وضخ المليارات بعد رفع العقوبات، كل ذلك من غير أن يغير النظام الإيراني سلوكه ومن غير أي ضمانات لوقف انتهاك القانون الدولي وسيادة دول الجوار وعدم التوقف عن الاعتداء عليهم أو تمويل الإخلال بأمن واستقرار حلفائهم. 

النتيجة التي عايشناها في المنطقة هي أن النظام الإيراني سرّع من حجم ووتيرة أنشطته المزعزعة للأمن ودعم المليشيات العابرة للحدود وتدمير دول المنطقة والاستحواذ على مقدّراتهم، ولم يتحوّل لنظام مسالمٍ وديعٍ يحترم مبادئ حسن الجوار ولا المشاركة في التنمية والتقدم، ولا أصبح شريكًا في السلم والنظام العالمي، وبالتأكيد لم تقل فرص الصدام كما يروّج أصحاب النظرية الليبرالية. 

وليس الخطأ في المبادئ التي بُنيت عليها النظرية الليبرالية بل على العكس فيها مبادئ أساسية يجب العمل على تحقيقها، ولكن الخلل في بنائها على أرضية من الأوهام ومن دون أي دعامات متينة يقوم عليها هذا البناء، وأهم هذه الدعامات هو توازن القوى balance of power. فقط عندما يكون هناك توازن «إيجابي» للقوى المعتدلة في أي إقليم ممكن البناء عليه وتوسعة المصالح المشتركة وتعزيز التشبيك فيما بينها. 

التشابه بين ما حصل مع الصين وما قد يحصل مع إيران لا يقوم على افتراض أن إيران ممكن أن تكون قوى عظمى، فهذا أمر مستبعد وغير منطقي، ولكن يقوم على أساس أن تعزيز إمكانات إيران ونفوذها وتسريع وتيرة نهوضها كقوى إقليمية سيكون له آثار سلبية كبيرة جدًا على مصالح أمريكا الاستراتيجية في المنطقة (ولا أقصد النفط فقط) وعلى حلفائها وقدرتهم على تعزيز هذه المصالح الحيوية (كما احتاجتهم في أثناء الانسحاب الفوضوي من أفغانستان)، وبالتأكيد على النظام والاستقرار العالمي وبالتالي تكلفة التعامل مع قوى إقليمية مزعزعة للسلم والاستقرار وقادرة على ابتزاز والاضرار بمصالح القوى العظمى سيكون خطأ استراتيجيًا أكبر من قدرة أمريكا للتعامل معه من دون تكلفة عالية قد يصعب عليها تحمّلها. 

لكن ما زال هناك مجال -ولو محدود- لإقناع الإدارة الأمريكية بفداحة هذه السياسة الخارجية على مصالحها وقدرتها على الحفاظ على هيمنتها للنظام العالمي أولاً، وثانيًا ستكون حتمًا لصالح تعزيز النفوذ الصيني وتحدّيه للنظام العالمي بزعامة أمريكا المهددة.

وبغض النظر عن مدى اقتناع الادارة الامريكية بهذا الطرح، يجب علينا ذاتيا ان نعمل على تحقيق توازن القوى الرادع الذي يحقق لنا الامن والاستقرار الذي نحتاجه، وبما يؤمن لنا مصالحنا التي نسعى لها. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها