النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

المجتمع الإنساني ملوث بالفقر

رابط مختصر
العدد 11954 الخميس 30 ديسمبر 2021 الموافق 26 جمادى الأولى 1443

قضايا عديدة ما زالت عالقة دون حل تعتبر من التحديات الكبرى امام ارادة الانسان وكيانه الحضاري، من اهم القضايا التي لها تداعيات مصيرية هي تلوث بيئة الطبيعة وتلوث بيئة المجتمع، ورغم ان تلوث البيئة لها اولوية علمية واجتماعية وسياسية واقتصادية، الا ان تلوث بيئة المجتمع بأكثر الملوثات خطورة على الانسان وهو الفقر لم يحظ بالاهتمام المرادف والمساوي لتلوث البيئة. ومن المفارقات ان الانسان مصر باستمراره في نهج تلويث بيئة الطبيعة وبيئة المجتمع.. الانسان يساوي بين الطبيعة والمجتمع في اصراره على تلويثهما، بينما يميز بينهما من حيث الاولوية في مهمة معالجتهما. هناك قعقعة وجعجعة دون نتيجة جدية بشأن بيئة الطبيعة، بينما ليس هناك من صوت ولا حتى همس بخصوص تلوث بيئة المجتمع.

كلمة «تلوث» بمجرد ان تنطلق من اللسان وتطرق ابواب الاذن فإن كلمة «البيئة» تنطلق من خزينة المفاهيم في ارشيف العقل، وكأن الكلمتين متلازمتان تلازم رد الفعل الشرطي، والواحدة منهما تحتكر الاخرى لها. ليس هذا من شأن اللغة ولكن من اثر التكرار الغالب للعلاقة المتصاعدة بين الكلمتين، والحضور الدائم لقضية «تلوث البيئة». البيئة اضحت الضحية الواضحة والضحية التي ما زالت طعنات خناجر الانسان تفتق وتفكك اوصالها وتمحي عنها رونقها ونقائها وتحرم الانسان نفسه من نعم البيئة. ان ساحة اللغة لا تحتكر كلمة «تلوث» وتلزمها بالبيئة فقط، فالتلوث، بتصريفه اللغوي من فعل واسم وصفة، له حضور ملازم لنشاط الانسان في مساحات اخرى عديدة غير البيئة، وليس لأي كائن بيولوجي آخر اي دور في ظاهرة التلوث بأنواعها. البيئة هي المساحة العظمى التي تحوي الطبيعة كلها بما حملت، والطبيعة ومعها البيئة هما ضحايا الانسان دون رادع ولا رد فعل منهما، ولا ارتداع ذاتي من الانسان نفسه. بموازاة هذه الجريمة من فعل الانسان بامه الطبيعة فان جرائمه التلويثية تنال شبكة علاقة الانسان بالانسان نفسه. خصلة يتميز بها الكائن العاقل، وهو الانسان، في مملكة الطبيعة بالاصرار على جريمته دون اي اثر محسوس من اعماق الضمير ولا حتى من منطق الاشياء الذي يبين بوضوح ان نشاط الانسان يضر بالانسان نفسه. 

البيئة هي مجتمع الطبيعة، والمجتمع هو بيئة الانسان، وكلا المجتمعين ملوث بإرادة الانسان وبنشاطه وبإصرار من حماقة اعمى.. فعقل الانسان مطعم بلوثة الحماقة، ما يعني ان العقل هش ضعيف امام هوى النفس التي هي نبع الحماقات كلها، وهذا موضوع قائم بذاته.

اذا كانت البيئة ملوثة بالغازات السامة والمواد الكيميائية القاتلة، اضافة الى نشاط الانسان في جرائمه ضد الاشجار في مملكة الغابات، هذه المملكة التي هي مصدر الأكسجين الذي هو دعامة استمرار الحياة البيولوجية، فإن بيئة الانسان مع الانسان ملوثة بالفقر الذي يفوح منه الجوع والحاجة المذلة لإرضاء صرخات معدته ومد اليد الهزيلة المضطرة والمضطربة الى اهل الخير والكرم لسد حاجات معيشته وهي من ابسط الضرورات الحياتية التي لا تكلف الهيكل الاجتماعي في جميع دول العالم الجزء اليسير وبنسبة ضئيلة لا تذكر من التبذير المفرط في التسلح وفي الحروب وفي الترف الفاجر وفي المظاهر الاستهلاكية التي تروجها وتشجعها الربحية الراسمالية المتضخمة الى ما وراء التخمة، فهناك سباق على ثبوت عروش الملياردير الذي صار قاب قوس او ادنى من عتبة الترليون.. هوس من اجل التراكم المالي غير المحدود والمعطل، وكأن هذه الثروات المتراكمة الجبارة جبال من الخبز محرمة على محتاجيها ومن لهم الحق الطبيعي فيها.. منذ ان عرف الانسان نفسه والفقر ملازم له، وكأنه قدر الانسان الذي لا سبيل الى التحرر منه، ورغم ان الانسان استطاع بقدراته الذهنية وملكته الابداعية ان يتخطى مراحل البدائية والهمجية والعبودية والبربرية الى آفاق الحضارة، الا انه لم يعط واقع الفقر الذي ينخر في كيانه وفي كرامته الاهمية التي يستحقها هذا الواقع المزري الذي يحط من مكانة الانسان ويقلل من شان الحضارة التي يتبجح بها الانسان، وواقع الفقر بهذا البعد غير الانساني يثبت ويؤكد أن الحضارة ما زالت سطحية لا تتعدى المظاهر وانها بعد لم تتعد السطح الى درجات العمق الحضاري. المؤسسات الدولية وعلى راسها الامم المتحدة والبنك الدولي يتناولون موضوع الفقر بالاحصاءات والارقام وببعض من التحليل الذي يتجاهل الحقائق وتوصيات غير مجدية وغير واقعية، وهذه المؤسسات تصب الزيت على نار الفقر وهي تعلم جيدا انها تسهم بشكل فعال في تعميق جذور الفقر في الكيان البشري. للفقر تبعات منها الجهل وللجهل تبعات منها الجريمة والارهاب وخيانة الانسان للانسان والاوطان.. هذا ما يفعله الفقر، والملامة ليست على الفقر ولا على الفقير، ولكن على من صنع الفقر بوعي وارادة او من دون وعي .. الفقر حقيقة قائمة، ويكاد ان يكون طبقة اجتماعية موجودة في جميع المجتمعات، وينطبق عليها شعار كارل ماركس الذي كان ينادي «يا عمال العالم اتحدوا»، والفقير يتحسس معنى هذا الشعار في واقع الفقر وقد ينادي عما قريب ويرفع صوته عاليا «يا فقراء العالم اتحدوا».. السبب الرئيس للفقر هو نهج ادارة شؤون الناس في مختلف مواقع علاقة الانسان بالانسان!!! ولا علاقة له بقدر مفروض على الانسان خارج ارادته، بل انه نتاج انساني نابع من ارادة الانسان وقدرة الانسان نفسه.. انه ارادة الانسان ضد حق الانسان. 

الحلول التقليدية، والتي تنادي بها المؤسسات الرسمية العالمية والمحلية، لا تخرج عن اطار التبرعات والصدقات، ما يعني ان الفقر باقٍ.. لا ينتهي الفقر بالمساعدات من نوع التبرعات والصدقات، بل ان هذه المساعدات تسهم في ترسيخ الفقر في المجتمع وكأنه واقع وطبيعي خارج ارادة الانسان.. هذه المساعدات يجب ان تكون مؤقتة وفي موازاة جهود منهجية لإنهاء لوثة الفقر من المجتمع.. الفقر في المجتمع تلوث من فعل الانسان، ومن واجب الانسان ان ينظف المجتمع من التلوث الذي تسبب به، بالضبط مثلما ينظف الانسان بيته ومكان عمله وثيابه كلما استدعى الامر... 

لوثة الفقر هي مزيج من عدم القدرة على تلبية الحاجات الطبيعية، من غذاء وشراب وملبس وبيت، وحاجيات اجتماعية وثقافية، من تعليم وترفيه، وفوق كل هذه الحاجيات حقه في العيش بعزة وكرامة.. ان المساعدات الشكلية في اطارها التقليدي المتعارف عليه من تبرعات وصدقات يستحيل عليها ان تلبي حق الانسان في العيش بعزة وكرامة، بل على النقيض فإنها ترسخ حالة الفقر مع كل ما يحمله من الذل والاذلال الخارجي والغبن والقهر النابع من الداخل.

عار على البشرية ان تتسبب بنفسها وعلى نفسها بهذه المعاناة التي لا مبرر لها والتي يمكن تجنبها وتفاديها بتخصيص نسبة ضئيلة جدا من الثروات الهائلة التي تهدرها الطبقات المتحكمة من الموارد الطبيعية ومن منتوج العمل الاجتماعي.. وبلغة بسيطة واضحة، فإن الفقر هو نتاج احتكار خبز الشعوب بيد قلة متنفذة تتحكم في الخبز حسب اهوائها ومصالحها الانانية.. فمتى سيزول هذا الاحتكار حتى تنعم الشعوب بأكل خبزها بعزة وكرامة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها