النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12092 الثلاثاء 17 مايو 2022 الموافق 16 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:23AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

أيُمنع الغناء في العراق ؟!!

رابط مختصر
العدد 11951 الإثنين 27 ديسمبر 2021 الموافق 23 جمادى الأولى 1443

 لا أتوقع أن يكون نَشْر صحيفة الشرق الأوسط مقالاً بعنوان «أنا مالي شغل» للكاتب مشعل السديري، إلا محض صدفة في تزامن وقته وموضوعه مع التراشق «التويتري» بين الفنان المصري محمد رمضان وأمين عام حزب الدعوة نوري المالكي، على خلفية حفل غنائي أقامه الأول في بغداد فإذا بالثاني ينبري لوصف الفنان بـ«الداعر الفاجر». وعلى رأي المثل فإن «رب صدفة خير من ألف ميعاد؛ إذ بفضل هذا التراشق انكشف للناس- وخاصة لمن أراد منهم أن يفهم - ما تبطنه تيارات الإسلام السياسي بمختلف مسمياتها وعناوينها وولاءاتها المبعثرة هنا وهناك في ما عدا الوطن الأم، من منهج فكري تريد من خلاله بسط نفوذها على المجتمعات العربية وحرف تاريخ هذه المجتمعات الحضاري والثقافي المتوازن وجعله ينوء بأثقال التخلف والخواء الفكري، سواء أكان ذلك في العراق المبتلى بحكم طبقة سياسية فاسدة، ونوري المالكي أحد رموزها، أو في أي بلد عربي أو إسلامي آخر تقتنص هذه التيارات الفرصة للانقضاض على السلطة وتنفيذ أجنداتها التي يأتي على رأسها هدم أساسات الدولة المدنية وإقامة الدولة الدينية.

 الكاتب مشعل السديري يعرض في مقالته المذكورة رسالة عمرها أكثر من ستين عاماً وتتحدث عن أحد المتطرفين يخاطب قاضياً في إحدى القرى واشيًا بأحد أبناء قرية (القويعية) كان قد اشترى مسجلاً، وكان يجمع شباب القرية ليسمعهم الأغاني والأشعار؛ لأن»عقله الفقهي«أفهمه أن الشعر والغناء من المحرمات في الدين الإسلامي! هذه الرسالة تنم في والواقع عن جزع المتطرفين الدينيين، في بعض المناطق النائية سواء قبل ستين عاماً أو أكثر وإلى الآن، من كل ما يمت إلى تفريج الإنسان عن نفسه من خلال الغناء أو أي فن آخر بصلة، وإظهاره على أنه رذيلة ومنكر وحرام وسبيل مباشر إلى جهنم وبئس القرار وكأن هؤلاء قد امتلكوا مفاتيح الجنة يمنحونها لمن شاؤوا ومفاتيح النار يحشرون فيها من خالفهم الرأي ومن أعمل العقل ومن آمن بالعلم ومن قدر الفن ومن آمن بالاختلاف وقدره وكل من فكر. 

 في الوقت الذي تعج فيه الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، بمظاهر الفرح التي تطرق أبوابها من كل حدب وصوب، حتى أصبحت إحدى المدن الجاذبة للسياح ومقصداً لقضاء أوقات سعيدة في حضرة مختلف الفنون، تتصاعد أحياناً بعض أصوات فقه الغم والسوداوية من أعداء الجمال والحياة مستنكرة، وإن في حياء، أو نابحة إذا ما وجدت في منصات قنوات إعلامية إخوانية أو معادية للمملكة العربية السعودية فرصة.

 ما وددت قوله في هذا الخصوص أن بعض المجتمعات تتطور إلى الأفضل وتنفتح على المدنية بوتائر متسارعة استجابة لمعطيات الحالة المجتمعية ولمقتضيات حركة التاريخ التي تكره النكوص إلى الوراء، فالتطور قانون طبيعي وحتمية حضارية في وقتنا الحاضر الذي فرض التثاقف وحوار الحضارات. ولذلك نجد مجتمعات حية تنفتح على العصر من دون أن تُفرط في مقومات هويتها وشخصيتها الحضارية، وهذا حال المجتمع العربي الإسلامي في المملكة العربية السعودية، علما بأن المجتمع السعودي، وأنا أعرف ذلك جيداً، حيث إني عشت ردحا من الزمن في المنطقة الشرقية، لم يغب عنه الفن يوماً رغم أصوات بعض المتشددين، ووجد في نهضته الحالية الشاملة ما رد الاعتبار للفنون وأبرزها لتصبح علامة من علامات التغير الإيجابي في المجتمع السعودي، وفي مقابل ذلك نجد دولاً أخرى، مثل العراق بلاد الرافدين منبع الآداب والفنون، كانت سباقة إلى تشجيع الفنون بكل أنواعها تتخلف وتعود القهقرى انصياعا لسيطرة فكرة مغلوطة يتم تعميمها على أيدي تيارات الحكم الدينية عن الفن بجميع فروعه. وبالطبع إذا ما عدنا إلى مقدمة هذا المقال فأنا هنا لست مدافعاً عن الفن الذي يقدمه محمد رمضان، ولكني أثمن كل فن وأحترم تعدد الأذواق؛ إذ أنها تندرج ضمن حرية الرأي والاختيار.

 أعود إلى حيث بدأت وأقول للأمانة إن ذِكْرُ اسم أمين عام حزب الدعوة الإسلامي العراقي نوري المالكي في هذا السياق، لا يستجلب للفرد إلا سيئ الذكريات، فهو من كان رئيساً لوزراء العراق لفترتين سابقتين قيل في صحة إجرائهما وسلامة نتائجهما ما قيل. والثابت أن العراقيين لم ينالوا منه إلا التهجير والقتل والفساد وتنامي الطائفية المذهبية. إلا أن ذكر اسمه هذه المرة وتداول وسائل الإعلام تغريدته غير المؤدبة التي كتبها بعد حفل للفنان المصري محمد رمضان، كان له وقع آخر؛ إذ استدعى في ذهني قامات عراقية فنية رائدة في الخليج وفي الوطن العربي. فقد قرأنا عن البعض منهم مثل زرياب الموصلي متعدد المواهب الفنية الذي ظهر في عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد ومحمد القبانجي وسليمة مراد، واستمعنا للبعض الآخر مثل منير بشير ونصير شمة وريثي زرياب، وإلياس خضر وفؤاد سالم وسعدون جابر وكاظم الساهر وزهور حسين وعايدة رياض وغيرهم كثير، بالضبط مثلما كنا نطرب لسماع طارق عبدالحكيم وطلال مداح وعتاب ومحمد عبده وطلال سلامه وخالد عبدالرحمن وغيرهم.

 الزمن في حركته وتفاعل الإنسان معه كفيلان بإحداث التغير المطلوب، إلا أن يد الإنسان وفكره قادران على إحداث التغيير في الاتجاهات المنشودة وبالوتيرة المرغوبة؛ لأننا أصبحنا بحكم العولمة نعيش سباقاً أممياً رهانه التقدم في جميع مجالات الحياة، ولكن في مقابل هذا المنطق الطبيعي نجد»منطقاً«آخر يأبى التطور والتغيير الإيجابي، وينظر بعين الريبة إلى كل جميل، وإذا ما أتيحت له فرصة التأثير في الآخرين بحكم المنصب أو النشاط السياسي أو فرصة الحكم، فإن أول مآثره مهاجمة الفن والفنانين، ولنتذكر جميعاً جريمة طالبان حين فجروا تماثيل بوذا في باميان، ولعلي لا أجد نفسي مبالغاً عندما أستقرئ موقف سيئ الذكر نوري المالكي فهو كداعش وطالبان والإخوان المسلمين لا يؤمن بالفن. فهل سيتمكن نوري المالكي من تغيير حركة التاريخ بوصفه الفنان محمد رمضان بـ»الداعر والفاجر»، ليؤسس لسابقة يمنع فيها الغناء في العراق؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها