النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

«الذين قتلوا مي»!!

رابط مختصر
العدد 11946 الأربعاء 22 ديسمبر 2021 الموافق 17 جمادى الأولى 1443

لم ينتموا لـ«آل كابوني» هؤلاء الذين تكاثروا على الأديبة الفلسطينية الرائعة مي زيادة في زمانات ذلك العصر، ولم يندرجوا من قبائل «الواق واق» التي كانت تفترس بعضها البعض من الاستمتاع باللحم البشري الطري، لكنهم كانوا ذئابًا منفردة، ودواعش على الهامش من زمن جميل، تمامًا مثلما كانوا رواد فكر، وقادة تنوير، وعمالقة يُشار إليهم بالبنان، هؤلاء الذين حاولوا تمزيق الجسد الطاهر بعيونهم القاسية، لكنهم فشلوا حتى في لمس طرف حذائها في الواقع غير الافتراضي المريض.

لم يستخدموا خنجرًا مسمومًا، أو رشاشًا سريع الطلقات ولا حتى حزامًا ناسفًا لهدم المعبد الشمشوني الجبار، لكنه التجاهل، الاستغفال، الإقصاء عن قرب وليس الاستشعار عن بُعد، الاستبعاد عن سوء نية وليس من محاسن صدف.

هي الراحلة منذ عشرات السنين، وهي الرائعة منذ نعومة أظافرها، كتبت الشعر والرواية والمقال الأدبي الأخاذ، وأعدت لنفسها صالونًا أدبيًا قصده كبار المفكرين والمبدعين العرب، استقبلت الجميع بحفاوة القلب الجميل، وبإقدام الفارسة المغادرة التي حاولت دائمًا أن ترد لمصر الجميل، لكنهم لم يمكنوها من دماسة الابتسام في وجه المحبين، ولا من حلاوة الوصول بعد مشقة الرحلة الطويلة من «الأرض الضائعة» إلى «الأرض المحروقة»، ولا حتى من سذاجة التمني بعد أن تخور القوى، وتستسلم الأرواح، لترتفع الرؤوس والنفوس إلى البارئ في علاه، والغافل في مثواه، والضائع في منتهاه.

إنه المفكر والمؤرخ والشاعر والأديب الأدق شعبان يوسف، وهو «كتاب اليوم» المثير «الذين قتلوا مي» والذي كشف الغطاء مثلما عودنا عن أقتم الصناديق السوداء في تاريخ صناعة الحرف، وعن أقسى التجارب في حياة واحدة من أشجع «الرجال»، وسيدة من أعتى المحاربات، هي الأديبة الراحلة مي زيادة، وما أدراك ما مي زيادة في زمانات العصر الذهبي للقلم، وفي ملحميات الحدث الفاقد للشرعية رغم انتمائه لحالة وجودية تحاكي بكل جفاء حالات غير وجودية.

سيدة في مواجهة عشرات الرجال، لكنها تنتصر عليهم، أديبة أمام جهابذة الفكر، وصناع الحضارة، إنما ليس كل ما يلمع ذهبًا، صالون يتيم في مواجهة صالونات الكبار لكنه الاغتيال المعنوي الذي أسال كثيرًا من الدماء.

شعبان يوسف في «الذين قتلوا مي» يلقي بأصابع الاتهام في وجه كل من أحبوا مي ولم تحبهم، كل الذين طمعوا فيها ولم يصلوا إلى ضالتهم المنشودة، وكل الذين اعتبروها ملكًا خالصًا لهم لكنها لم تكن ملكًا لأحد حتى الذي أحبته ولا تعرف إذا ما كان يحبها أم لا، كل ذلك كان محلاً للرصد، وكل ذلك كان تدشينًا لسبق إصرار أكثر من كونه إطلاقًا لعصافير مغردة من صندوق عامر بـ«القتامة».

لقد عاقب شعبان يوسف كل الذين همشوا مي، وحاكم كل الذين اتهمتهم رحلة التقصي في الكتاب «الملغوم» نفر نكن لهم كل الاحترام والتقدير، تمامًا مثلما كان لهم كل الإبداع والتأثير.

إنها لحظة الحقيقة عندما تنتصر على ما عداها من لحظات، وهو الفتك اللعين بفرائس لم تكن جاهزة للأكل وقت نشوب المعركة الوحشية على صفحات الصحف، أو في دواوين «الكتب»، أو في صالونات الاغتيالات الجماعية المشئومة.

لقد نجح شعبان يوسف في أن يخلص مي زيادة من شائعات المغرضين، وأن يعيد توديعها إلى مثواها الأخير بعد عشرات السنين من الجنازة التي لم يمشِ فيها غير بعض البعض من بقايا ناس.

لقد تنكر الأديب المصري الكبير عباس محمود العقاد ورفاقه لمي زيادة لمجرد أنهم شعروا بأنها ليست مغرمة بهم للحد الذي دفعها للكتابة بخشوع لشاعر المهجر الأكبر جبران خليل جبران، ومارس الرفاق من أجل إرضاء «الزعيم» عملية إقصاء وتجاهل مبرمجة للقيام بأكبر اغتيال معنوي في التاريخ الأدبي الطويل.

«إما أن تكوني لي أو لن تكوني لغيري» شعار ما زال مفهومًا ومرفوعًا على أسنة رماح المرضى في الشرخ العميق، جملوه، وحملوه، ومارسوه، وقدموه قربانًا لكل من يحب ويفشل، ولكل من ينوي القصاص فيبيد، ولكل من يطلب الغفران فلا تستجيب إليه السماء.

هكذا كان شعبان يوسف رائعًا عندما جاء إليّ ذات يوم بالبدايات ونحن في مقتبل العمر، كان مجرد كتاب للصحفي والأديب الراحل أنيس منصور «في صالون العقاد» ليتحدث الرجل عن عشق «زعيم الأدب» العربي الكبير لأديبة مهاجرة لكنها لم تحبه ولم تعشقه، وربما لم يكن يدري مؤرخنا وشاعرنا ورفيق الطريق شعبان أنه قد يأتي يوم ويقوم بشحمه ولحمه ودماء ذاكرته، ليفتح الملف المترب ويزيح الغبار الكثيف عن جدرانه الصفراء، ليقيم محاكمة عادلة لكل الذين تربصوا، وكل الذين تلصصوا، وكل «الذين قتلوا مي».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها