النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

طقس الوداع ومسرح الشارع الأول..

رابط مختصر
العدد 11945 الثلاثاء 21 ديسمبر 2021 الموافق 16 جمادى الأولى 1443

 

 

تعتبر الثلاث الليالي الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وهي ليالي الوداع، واحدة من أجمل الطقوس التي وعت لها طفولتي مبكرًا، ورأيت من خلالها أول مسرح شارع عفوي في حياتي، فإذا كانت مناسبة (القرقاعون) التي يحتفل بها الأطفال خاصة في منتصف رمضان أشبه بالمسرح الجوال يجوب من خلاله الأطفال أزقة المدن والقرى طارقين الأبواب طمعًا في حلاوة المناسبة، ومؤدين طقس هذه المناسبة بطابعها الاحتفالي المبهج كل بطريقته وإمكاناته الفنية والمادية، فإن مناسبة ليالي (الوداع) يعدها الكبار قبل الأطفال، ويؤديها في الغالب فنانون ينتمون لفرق غنائية شعبية.

وكانت فرقتا (الدار العودة) و(الدار الصغيرة) في مدينة الرفاع الشرقي التي أقطن فيها، هما من تتوليان الاحتفال بهذه المناسبة والتحضير لها بأيام تسبق ليالي الاحتفال، وكنا ونحن أطفال ننتظر هذه المناسبة بفارق الصبر، إلى درجة ننسى معها أجمل وأبهج الألعاب الطفلية البريئة التي كنا نحياها أولادًا وبناتًا، ليلاً ونهارًا، مثل (الصعقير) و( ظلالوه) و(السكينة)، ويزداد اعتقادنا وإيماننا أكثر بأن كل أباليس الأرض وأشباهها قد قيدتها ملائكة الحب والرحمة والفرح، وما عاد لها وجود أو شبه حتى في أعتم ليل من ليالي شهر رمضان، ذلك أن ليل رمضان هو في قناعتنا نهار جميل تدب فيه طاقتنا ولا تكف حتى تشرق الشمس ثانية لتعلن يومها الجديد القادم.

 أتذكر كم كانت تعاني هذه الأباليس بسبب القيود السميكة التي أحكمت شياطينها بها، كنت أحسبها وأنا طفل صغير، تبكي وتتألم من شدة الأغلال التي قيدتها، وكنت أحسب أننا نحن الأطفال كم كنا نضحك فرحًا وبهجة عليها وهي ترجونا وتتوسل إلينا كي نفك قيودها.

وحين تتحسس أسماعنا هسيس طقس الاحتفال بالوداع وهو يتناهى إلى أسماعنا من بعيد هذه الأهزوجة (الوداع، يالوداع يا رمضان... عليك السلام يا شهر الصيام)، مصحوبة بقرع الطبول والدفوف، في ساعات متأخرة من الليل، تهب أجسادنا وأرواحنا فرحا وتأخذنا من أسرتنا التي أصبحت بمثابة مقاعد أو عتبات انتظار، إلى خارج بيوتنا انتظارا عند أبوابها هذا الاحتفال الشعبي الكبير الذي سيضمنا بين حناياه بعد قليل.

وكلما ارتفع صوت جوقة الاحتفال الكبرى، ازدادت لهفتنا لرؤية هذا القادم المتخيل الجميل، وأصبحنا فيما بيننا نردد بعض ما يتناهى إلى أسماعنا من أهازيج الوداع، وأصبحنا نتخيل الأشكال التي سنراها تبزغ أو تنبثق من خلال هذا الاحتفال، وكنا وكما لو أننا نجتهد كثيرًا في توسيع حدقات عيوننا لرؤية هذا الحشد الاحتفالي الكبير، خاصة وأن إنارة الشوارع في مدينتنا آنذاك، في ستينيات القرن الماضي تحديدًا، كانت محدودة، لذا كنا نراهم وهم يتقدمون نحو الشارع الذي يتوسطه منزلنا الكبير أشبه بغيمة بيضاء رمادية مبهم تحديد شكلها أحيانًا، وما إن يصلون نحونا حتى نجد أنفسنا منخرطين معهم في الحفل، لأفاجأ بأن الوالد رحمه الله بينهم وكثير ممن أعرفهم من الحي الذي أقطن فيه، وكما لو أن كل رجال وشباب وأطفال مدينة الرفاع خرجوا جميعهم من بيوتهم للاحتفال بهذه المناسبة.

وكلما تقدم ركب (الوداع) قليلاً، انضم إليه أطفال آخرون، وصارت أصواتنا الطفلية البريئة تذوب في صوت الطقس الجماعي، حتى تنتظم كل الأصوات وتنسجم مع إيقاعات الطبول والدفوف.

وكانت بعض الوجوه تلفت نظري وتدفعني للاستغراب أحيانًا، إذ كانت الدموع تبللها حزنا على وداع رمضان المبارك، فأتخيل وكما لو أن هذا الشهر إنسانًا محبوبًا من الجميع وقد خرجت الناس جميعها في وداعه حزنًا عليه، في الوقت الذي ألحظ فيه فرحًا لا يضاهى على وجوه آخرين.

تتباين الحالات والانفعالات والأمزجة في هذه المناسبة، ويرتفع قرع الطبول والدفوف كلما اقترب من نهاية الليل وبدء الإمساك.

إن هذا الطقس الشعبي المهيب، لم يكن للفرجة فحسب، بل كان طقسًا يشارك فيه الجميع، فكلهم يؤدون ويحيون لياليه، وربما تكون الفرجة فيه للفتيات والأمهات اللواتي كن يتسللن بأبصارهن من خلال النوافذ والأبواب لمتابعة الاحتفال.

في هذا الطقس المهيب رأيت أول مسرح شارع شعبي عفوي جماعي منتظم ومتناغم، وكنت وأنا في حومة الطقس أسأل: لماذا لم يمنعنا أحد من المشاركة في هذا الحفل؟ هل كانت مدينتنا بيوت مكشوفة أسقفها ومفتوحة جدرانها وأبوابها على شارع واحد يحتوينا جميعًا في هذا الطقس؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها