النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

التكتلات السياسية بين السر والعلن

رابط مختصر
العدد 11940 الخميس 16 ديسمبر 2021 الموافق 11 جمادى الأولى 1443

العدم، الوجود، الطبيعة، التنوع، الحياة، هذا هو التسلسل من العدم، الذي لا نعرف عنه اي شيء، الى روعة الحياة التي تتشكل من تعدد نوعي وكمي طبيعي شبه لا متناه. ما كان للحياة ان تتولد من رحم الطبيعة لولا التفاعلات التي تمت عشوائيًا بين العناصر المتعددة والمتنوعة في الطبيعة، والحياة هي جوهرة الطبيعة. ما كان لهذه الحياة ان تتمتع بأي قيمة محسوسة ومرغوبة لولا تفتق الوعي بالذات عند أحد اجناس الحياة، وهو الانسان. وعي الانسان لذاته اعطى الحياة معناها المحسوس والمرغوب وخلق الدافع من اجل البقاء واستمرار الحياة، وهذا الوعي هو القيمة الاساسية للحياة وفي الحياة.. والوعي يولد الافكار، والافكار متعددة ومتنوعة، وهي مدارس شتى، مثل تنوع الطبيعة، ولا قيمة لهذا الوعي في غياب التنوع النوعي للافكار، خاصة ان التنوع النوعي للافكار هو من نتاج الوعي ذاته، وينطفئ الوعي وتنتهي الذات البشرية عندما يختزل تنوع الافكار الى وحدة الفكر.. فوحدة الفكر ليست ظاهرة صحية ولا ايجابية مقابل تنوع الفكر..

من هذه المقدمة نعرج الى ظاهرة وجود مدارس فكرية متنوعة ومتباينة في المجتمع الواحد، وأكثرها بروزًا هي تلك التي تتفاعل على الساحة السياسية والوطنية، وهي من اكثر الساحات حساسية واثارة للجدل ومدعاة للاختلاف والخلاف واشكال الصراع. في الساحة السياسية يتمحور التنوع الفكري، بشكل اساسي، في الكتل السياسية المعنية بالشأن الوطني وكل ما له علاقة، داخلية وخارجية، بالوطن. بالمفهوم العصري «الحزب السياسي» هو المعبر عن التكتل السياسي، ويعود تاريخ هذا المفهوم العصري الى تسعينيات القرن الثامن عشر انطلاقًا من الولايات المتحدة الأمريكية التي تبنت الشكل الجمهوري للدولة. هذا لا يعني ان التكتلات السياسية لم تكن موجودة في العصور السابقة، بل انها كانت موجودة ولكن بأشكال مختلفة، فمثلًا في العصور الملكية القديمة والامبراطوريات كانت التكتلات السياسية تعبر عنها المؤسسات الدينية والتكتلات الطبقية، الارستقراطية اساسًا، وكذلك التشكيلات القبلية والعشائرية. التكتلات السياسية هي تعبير تاريخي واجتماعي وفكري عن المصالح الطبقية منذ القدم والى اليوم والى ما وراء المستقبل، والمصالح تتعدد مفاصل علاقاتها، بعضها ببعض، من الصراع الى التفاهم؛ هذه مقومات راسخة لا تسمح بتخطي او اغفال او اهمال او عدم الاهتمام بحقيقة وواقعية التكتلات السياسية، فهي قدر الانسان في مجتمعه، وهذا يقتضي من الجميع التعاطي معها بواقعية وموضوعية.

التكتلات السياسية، او الاحزاب والجمعيات السياسية بالمفهوم العصري، قد تتواجد تحت اشعة الشمس وتعمل بالعلن، دون سر ولا اسرار، وتحت غطاء دستوري، او ان كلها او بعضها، قد تكون مضطرة ان تعمل تحت جنح الظلام وفي الخفاء والسر وتعشش في الكهوف المغلقة؛ هذا النمط السري من التكتل السياسي هو الشبح المقلق للدولة، والهمس المحير للطبقات الاجتماعية في الوطن؛ وطبيعي ان الحيرة تتدحرج بالطبقات الاجتماعية الى اشكال من الجدل والاختلاف والتناقض الداخلي مما يخل بالامن الاجتماعي وبالنتيجة بالسلم الوطني.

ان التكتلات السياسية، احزابًا وجمعيات، عندما تكون علنية و تعمل تحت سقف الدستور وتدعم الدستور، فإنها تمثل واقعيًا وموضوعيًا حلقة الوصل بين القيادة والقاعدة، بين سلطات الحكم والمجتمع، وتسد الفراغات التي تتواجد بفعل التفاعل بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وهذه الجمعيات هي الاقدر على تحسس تلك الفراغات بفضل التصاقها المباشر بمكونات المجتمع، وهي وسيلة الحوار المتبادل، بشكل مباشر وغير مباشر، بين القيادة والقاعدة.

مع وجود هذه الجمعيات التي تستوعب التعدد الفكري، سياسيًا واجتماعيًا، فان الدافع الى العمل السري، بما فيه العمل الارهابي ينتفي، فمن هذا المنطق والمنطلق فان هذه الجمعيات لها دور مباشر في تامين الامن الوطني والاستقرار السياسي.. وهذا يعني ان غياب هذه الجمعيات او حتى وجودها الهزيل يترك المجتمع في فوضى الاهواء وردود الافعال وفقدان الرؤية السليمة المسالمة وتلاطم الافكار والصراع السياسي، وهذه التداعيات تساهم بشكل لا لبس فيه الى العمل السري وفي كهوف مغلقة تنفتح معها ابواب صراع مزدوج، صراعات فيما بينها وصراعات ضد الدولة وحتى ضد المجتمع. مع تطور التفاعل بين هذه الجمعيات ومؤسسات الدولة والمجتمع فان المسافة تتقلص بين القيادة والقاعدة يومًا بعد يوم، مما يساهم في بناء ثقة متبادلة، وردم الهوة بينهما..

لا شك انه في ظل العمل السياسي والتفاعلات الناتجة بين التكتلات السياسية وسلطات الحكم والمجتمع فان الاجواء ينشط فيها اختلاف وجهات النظر والنقد والنقد المتبادل وآراء شتى، وهو التعبير الواقعي عن تعدد الافكار.. وتعدد الافكار ظاهرة طبيعية وايجابية، والديمقراطية والبرلمان ادلة تاريخية وعلمية واجتماعية واعتراف دستوري بوجودها، اي انه يستحيل العيش في غياب مطلق للاختلاف في وجهات النظر وفي الافكار وفي المواقف.. ولا شك ان الاختلاف تحت اضواء الدستور غير الاختلاف المتواري عن انظار الدستور.. وجود الجمعيات السياسية يساهم في معالجة الاختلاف بالحوار، وتفادي تحول الاختلاف الى خلاف ومن ثم الخلاف الى صراع، ومن ثم الى انشطة خارج الدستور وضد الدستور، اي ضد الدولة وضد المجتمع.. ووحدة المجتمع لا تتحقق الا باحترام تعدد الافكار فيه. لكن الجمعيات السياسية قد تواجه مأزقًا يعرقل مهماتها الوطنية، فهي ليست مؤسسات ربحية تتمتع بدخل مالي من انشطتها او من اعضائها حتى تكون قادرة على الاستمرار في ممارسة مهماتها الوطنية، فهي في حاجة ماسة الى دعم مادي ومعنوي من مؤسسات الدولة، وهي تستحق هذا الدعم لدورها المؤثر والفعال والاساسي في دعم النشاط السياسي العلني وتحت اضواء الدستور، واهمية دورها للتقريب بين مؤسسات الدولة والمجتمع.. ان مؤسسات الدولة ومعها المراكز الاجتماعية القادرة مطالبة لتوفير الدعم اللازم لهذه الجمعيات، فاليد الواحدة لا تصفق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها