النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الفساد الخلاق..!

رابط مختصر
العدد 11938 الثلاثاء 14 ديسمبر 2021 الموافق 9 جمادى الأولى 1443

نواصل الحديث عن الفساد، هذه المرة من زاوية اخرى، وما اكثر الزوايا التي يمكن تناول ملف الفساد من خلالها، وشكّل اليوم العالمي لمكافحة الفساد فرصة للتوقف والتذكير بأمور وقضايا كثيرة والتحذير من مغبة التراخي في مواجهة الفساد الذي بات يخترق حياة الكثير من الشعوب ويريد له أرباب الفساد ان يكون «قيمة» ذات ركائز متينة وان يرتدي ثياب الفضيلة والعفاف، وجاءت جمعية الشفافية البحرينية يوم الخميس الماضي التاسع من ديسمبر الجاري وهي تحتفي بهذه المناسبة ومرور عشرين عاماً على تأسيسها لتؤكد الى اي مدى نحن بحاجة الى اجراءات جريئة وواضحة في ملف الفساد والإفساد، ولتؤكد كذلك على ضرورة بناء مناعة وطنية ضد الفساد ترتكز على منظومة نزاهة وطنية مبنيّة على استنهاض الهمم الجامعة المدركة لمسؤولية العمل بكثير من الشجاعة والعزيمة للتصدي للفساد بكل صوره ومظاهره وتفرعاته ومستوياته وفي اي موقع كان بما يجعلنا نتجاوز فعلياً الشعارات المعتادة الفارغة من الأهداف التي لم تعد تجد صداها في النفوس أمام مناخات فساد تنمو وتترعرع وتتشعب وتجعل الفساد منظومة لها صناعة حاضنة لها قواعد تنتج الفساد والإفساد وتمسك بالمفاصل التي تثبّت أقدام الفاسدين وتصلح أحوالهم وترفع من مقامهم وتظهرهم بمظهر الصالحين..!

في الفعالية المذكورة كانت هناك كلمات من اكثر من طرف ممن شاركوا حضورياً او عبر الاتصال الالكتروني تحذر في مجملها من وضعية التعاظم الراهن للفساد وتمريره والتغطية عليه في كثير من البلدان، وبالنسبة للبحرين جاءت في محلها دعوة رئيس الجمعية الدكتور حسن الربيعي الى استكمال المنظومة التشريعية التي تترجم الالتزام ببنود اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادقت عليها البحرين في عام 2010، وعلى الاخص انشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، واصدار استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد حسب المعايير الدولية، واصدار قانون حماية الشهود والمبلغين، واصدار قانون حق الوصول الى المعلومات، وهذه مطالبات لا تنفك جمعية الشفافية وغيرها من الجهات الأهلية تطالب بها وتدعو لها لاستكمال المنظومة المطلوبة لمكافحة الفساد.

كان لافتاً ضمن الكلمات التي القيت إشارة لافتة من جانب ناصر الصانع الرئيس السابق لمنظمة برلمانيون عرب ضد الفساد وهي الفرع العربي للمنظمة العالمية للبرلمانيين ضد الفساد تتصل بفساد البرلمانيين، حين شدد على اهمية دورهم في مكافحة الفساد، خاصة عبر حسن استخدام سلطة السؤال، والاستجواب، والتحقيق، والتشريع، ولم يتردد الرجل في التأكيد بان محاربة البرلماني للفساد ليس بالصوت العالى والأساليب المعوّجة التي لاجدوى من ورائها مع اقراره بأن المعضلة تكمن في «وجود برلمانيين عليهم علامات استفهام، وبرلمانيين متورطين بشبهات فساد، وأخطرهم الذين باتوا من رموز الفساد وحماته»، نتفق مع الدكتور الصانع بوجود هذه النوعية من النواب في العديد من المجالس النيابية، هذا ملف اكدنا مراراً بأنه يستحق ان يفتح على مصراعيه بشكل لائق وفعّال وشفاف بافتراض ان الأوان لم يفت بعد لامتحان جديد على جدّية النواب في محاربة الفساد بحيث لايشعروننا وكأنهم مهادنين او متواطئين او شركاء مع الفساد، وحتى لا يظل هناك نواب يحولون دون قيام عمل برلماني معتبر له قيمة ومكانة واهمية، او نواباً «هتيفة» او «مطبلين»، او «اعضاء جوقة» او «حكوميين اكثر من الحكومة»، او نواب «اهل هوى وغرض»، يمارسون كل ما يعد فساداً او تواطؤاً مع فاسدين او تستراً عليهم..!!، اشارة اخرى مهمة من جانب ممثلة منظمة الشفافية الدولية بقولها ان مكافحة الفساد حق من حقوق الانسان كونه احد اهم العوامل التى تنتقص من كرامة الانسان وتضعف وتشوه المبادئ الديمقراطية.

قبل كل شيء نحتاج الى ضمير اكثر من حاجتنا الى مزيد من الأجهزة والآليات الرقابية، هذا ما خلص اليه احد المتحدثين في الفعالية المذكورة، فعلاً نحتاج الى ضمائر حية في كل شأن ومجال وميدان لأن الضمائر اذا طالها الفساد والعفن وارتدت الأقنعة تعاظم الفساد، ومن واقع ما طرح فىي كل الكلمات بما فيها كلمات من ممثلين عن هيئات ومنظمات شفافية عربية، استمد هذه الأسئلة: هل من جهة او منظمة او هيئة عربية او اقليمية او دولية حاولت رصد واحصاء حجم ما أهدر من جهد ووقت لإقامة مؤسسات وجمعيات وهياكل تعني بالنزاهة ومحاربة الفساد، وكم نظم من مؤتمرات واجتماعات وملتقيات ولقاءات وندوات ودورات وحملات كان الأساس والدافع والمحور فيها العزف على أوتار محاربة الفساد، والحوكمة، والحكم الرشيد، وتعزيز النزاهة، والمساءلة، ام ظلت هذه من قبيل العادات السقيمة التي حفظت عن ظهر قلب ولم تحقق نتائج يعتد بها..!

وهل من جهة يفترض انها معنية رصدت كم القوانين والتشريعات والأنظمة ذات الصلة بالذمة المالية، ومنع الاتجار بالوظيفة العامة وحماية المال العام، وتنظيم ومراقبة العقود الحكومية، وكم من أجهزة للرقابة المالية والادارية وكم من تقارير أصدرتها، وكم من مواثيق الشرف وقواعد السلوك قامت اعلن عنها وهدفها خلق بيئة تتصدى و تجتث الممارسات الفاسدة، وكما ظهرت اختفت وكأنها لم تكن..!

وكم من مجالس تشريعية في منطقتنا العربية لم تستطع ان تقف بجدارة لتولى مهمة محاربة الفساد والفاسدين ولاحقتهم، وكم من نواب عليهم شبهات و«علامات استفهام»، او نواب وصلوا الى مجالس نيابية عن طريق فاسد مثل رشوة الناخبين او وعود زائفة أطلقوها، او دقوا على أوتار من ذلك النوع المنبوذ، طائفي او مذهبي او قبلي او فئوي، وكم من مؤسسات المجتمع المدني عجزت قسراً على ان تكون فاعلة في مناهضة الفساد وحشد قوى المجتمع لمحاربته بجميع أشكاله، وكم اعداد الذين انشغلوا بهجاء الفساد والحديث عن آلياته وتقنياته وأبعاده الى آخره دون ان يفعلوا شيئاً، وكم هو مثير للأسى والسخرية في آن واحد حين تكتشف ان من بين هؤلاء ومنهم نواب ممن هو جزء من منظومة الفساد، ومعهم من جعلوا شعار محاربة الفساد حق يراد به باطل..!!

وكم هي عدد المرات لعبارات مملة مرّت علينا والتي نكتشف بانها ليست سوى تكرار لعبارات قرأناها او سمعنا عنها الاف المرات عن الشفافية وبيئة الفساد وآثاره، ومحاربة الفساد وبأن لا تنمية مع الفساد، بينما هي في الواقع عبارات او شعارات لم تعد تعني شيئاً ملموساً، لا تؤكد نهجاً او سياسة او نية حقيقية لمواجهة الفساد وردع الفاسدين، ضجيج كلام في مناخ الفساد الطلق المنتج لمظاهر الفساد والإفساد، وضع يبقينا على ما نحن فيه، بل ويمضي بنا الى المزيد من البيئات الحاضنة للفساد وإعلاء شأنه ومقامه..!

وكم مرة شهدنا في عالم اليوم فاسدين يعظون وكأنهم يغسلون أيديهم ويرّيحون ضمائرهم، وكم مرة شهدنا فاسدين يتحدثون عن فساد الآخرين وكأنهم من فئة الأتقياء المصلحين وأصحاب أيادٍ بيضاء، وفاسدين ساخطين على فاسدين قدامى من باب المنافسة او تعارض المصالح، ادارة صراعات بين الفاسدين، وكم مرة اكتشفنا فيها فاسدين يمتلكون مهارات تثبت ان الفساد علم وفن وصناعة،

اذا كان الهم العلني الأول بالنسبة لكثير من البلدان هو الفساد، فان الهم الآخر هو هذا التقاعس او العجز او عدم الجدية والجاهزية الكافية في مواجهة هذا الفساد، والهم الأكبر هو غياب الإرادة الحقيقية في محاربة الفساد الذي ما بعده فساد، هذا ما يمكن ان يخلص اليه المرء وهو يقف ويتأمل ما خرج به اكثر من تقرير لمدركات الفساد الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية والتي نقرأ فيها معلومات ورسائل قديمة متجددة نتلقاها كل عام وكلها تبعث على القلق الذي يتفاقم مع تعدد مظاهر الفساد في البلدان المبتلية بهذه الآفة الخطيرة التي يعلم الله كم هي شرسة..!

الأسئلة تتوارد من كل حدب وصوب، وقبل ذلك يقفز السؤال الأهم: هل نحن جادون حقاً في محاربة الفساد، ام نستسلم ونقبل بالواقع ونستمر ندمن على التهرب من تحمل المسؤولية، وكل ما علينا ان نأخذ حصتنا من الأسى والوجع والقهر..؟، السؤال في محله، هل من مجيب..؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها