النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

لا تنشغل بهاتفك

رابط مختصر
العدد 11935 السبت 11 ديسمبر 2021 الموافق 6 جمادى الأولى 1443

التواصل بين بني البشر وتعايشهم جزء من سمات الكون الذي خلقه الله تعالى وأبدع صنعه، ولا يمكن أن تستقيم حياة الإنسان بمفرده، خاصة أنه كائن مجتمعي بطبعه، لذلك فإن اندماجه مع المحيطين به ليس أمرًا حيويًا ومطلوبًا فقط، بل حتمية تقتضيها الحياة البشرية. لكن لهذا التواصل أصول وقواعد يجب التقيد بها، بمعنى أنه لا يليق أبدا أن تكون في مجلس مثلا وتنشغل بهاتفك بمجرد أن تدخل وتسلّم.. 

لا يليق تشويه اللقاءات العائلية مثلا بأن يكون الهاتف مركز اهتمام وانتباه الحاضرين، لأن التكنولوجيا مهما تطورت وتنوعت فلن تكون بديلا ناجحا للتفاعل الإنساني بمشاعره الدافئة. صحيح أن الهاتف صار جزءا مهما في حياتنا وبه يقضي كثيرون مصالحهم، لكن لا يجب إساءة استخدامه برسائل وعادات قد تكون مزعجة في حالات كثيرة، من قبيل رسائل «صباح الخير» و«جمعة مباركة» التي يتعامل معها البعض على أنها عمل يومي تصل الجميع، وقد يكون من بينهم من لم يلتقيه قط في وقت سابق. وبالتأكيد فإن هذا المحتوى «المزعج» غير مرحب به لدى كثيرين، أو على الأقل يتعاملون معه ببرود.

من هنا، نؤكد على أمر بالغ الأهمية، وهو أن البناء الاجتماعي الناضج يستدعي أن يراعي كل منا شعور واحتياجات الآخر، حتى لا نخسر أنفسنا والمحيطين بنا. إذ إنه مهما اختلفت ظروف معيشة الإنسان، فإنه يبقى جزءًا لا يتجزأ من تكوين مجتمعه. ويجب أن نقر مبدئيًا أن سرعة وتيرة الحياة ومتطلباتها أفقدت البعض منا الشعور بالآخرين وجمدت أحاسيسه نحوهم، كما جعلته يتلمّس ذلك من الآخرين تجاهه، ما يعني أن المعادلة صارت متساوية في التجاذبات النفسية؛ لأن هناك من مضى وبكل قوته في ركب الحياة العصرية، وقام بعضنا من حيث لا يدري بالانعزال عن الآخرين والالتصاق بأجهزة تكنولوجية. 

وإن كانت تنقل كلامًا وصورًا إلا أنها لا يمكن أن تنقل أحاسيس ومشاعر، وما نقضيه اليوم أمام التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي أكبر بكثير مما نقضيه في التحدّث والسؤال عن الآخرين وتلمس احتياجاتهم. باختصار، فإننا في حالات كثيرة لا نتحدث معًا بشكل مباشر، حتى لو تحدثنا معًا يكون الحوار متشنجًا، فلم يعد البعض منا يستوعب الآخر، والبحث عن حل لهذه الإشكالية يتطلب العودة إلى ديننا الحنيف ومبادئه القويم، والتأسي بنهج رسولنا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وسيرته النبوية المطهرة، إذ نجد الحل واضحًا من خلال ما يعرف بـ«المداراة» التي تعني الليونة والمهادنة والتلطف والمرونة والاعتدال، ومعاملة الغير برفق حتى عند رفض أمر ما، وقد روي أن النبي الكريم ما عاب طعامًا قط، «إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه». وإذا كانت هذه صفات نبينا الكريم، أليس من الأجدر بنا البناء عليها؟ حتى نؤسس لحياة مجتمعية قادرة على المضي بركب الحياة.

إننا بحق في أمسّ الحاجة إلى المرونة وتصحيح أوضاعنا، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن المداراة لم تكن أبدًا مجاملة أو نفاقًا، بل تؤكد على حسن الصحبة وعدم مجابهة الناس بما يكرهون، وهي تعني في المحصلة الأخيرة كيف يمكنك تحمّل الآخرين واستيعابهم وألا تعاملهم بذات منهجهم الذي قد يكون فظًا في بعض الأحيان. لقد خلق الله الإنسان للتآلف والتعارف، ولم يخلقه للتناحر والعداء، لذلك فإن أعقل الناس أشدهم مداراة للناس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها