النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

عن علاقات الكتابة والسياسة

رابط مختصر
العدد 11935 السبت 11 ديسمبر 2021 الموافق 6 جمادى الأولى 1443

 بعض الأسئلة دائمة التجدد، يجددها الصراع الاجتماعي، ويجددها اثر هذا الصراع في حقل الكتابة، ومن هذه الأسئلة التي أشار إليها الناقد د. فيصل دراج في كتابه «الواقع والمثال» سؤال: دور الكاتب في المجتمع، ووظيفة الكتابة في الحياة الاجتماعية. إذا كان كما يقول دراج الصراع هو الاختلاف، فإن الأسئلة المطروحة لن تجئ الا متعارضة، يجيب البعض عن الأسئلة إيجاباً، ويقول: إن معنى الكتابة هو وظيفتها، ويجيب بعض آخر سلباً، ويقول: إن معنى الوظيفة خارج معنى الكتابة، فوظيفة الكتابة الوحيدة هي تحققها كفعل مستقل، لا يذوب في غيره، ولا يتطابق غيره معه، وما ربط الكتابة بالسياسة الاتسيس لها، يلغي ما هو جوهري فيها، ويستلب ما هو مميز لها، ويزجها في مقامها الخاص إلى مقام تابع، حيث تنتهي ككتابة، وتصبح كتابة سياسية، أي كتابة تابعة. إن القول بوظيفة في المجتمع، لا يعني استلاب معناها، إنما يعني تحديدها الموضوعي كعلاقة اجتماعية تؤثر على غيرها من العلاقات الاجتماعية، وتتأثر بها، لذلك فإن هذا التحديد لا يقول إلا موضوعية العلاقات. أما الدعوة إلى قطع كامل بين الكتابة والسياسة فإنها من وجهة نظر الكاتب لا تترجم موضوعية العلاقات، بقدر ما تستبدلها بوهم ذاتي، وبمعرفة زائفة، لأن أثر الكتابة في المجتمع، وتلاقيه مع موقف سياسي محدد او ملتبس، لا تقرره إرادة الكاتب ولا تصوره الذاتي لمعنى الكتابة، إنما يقرره القول الذي تحمله الكتابة، من حيث هو قول يبدأ من المجتمع ويعود إليه، ولهذا يمكن الإقرار بحقيقة أولى او يشبه حقيقة: تقوم مأساة الكاتب المنادي بنقاء الكتابة في المسافة الموضوعية القائمة بين الدور الفعلي الذي تقوم به كتابته، والدور الذي يعتقد، في وهمه الذاتي، إنها تقوم به، فأثر الكتابة لا يتحدد بنوايا الكاتب أو بتصوراته الذاتية، لأن المحدد الوحيد هو الصراع الإجتماعي، الذي يملي أشكال الكتابة ويفرض أشكال القراءة، ولذلك تتجدد قراءة «النصوص» وتتجدد تاويلاتها، بقدر ما تتجدد الأزمنة، أي بقدر ما يتبدل شكل الصراع فيها.

ترفض الكتابة الإبداعية سلطة المجتمع، وتذود في الرفض عن سلطتها الخاصة، أو تقوم بهذا الرفض بسبب سلطتها الخاصة، خاصة أن هذه السلطة تأخذ شرعيتها من علاقة التفارق القائمة بين الكتابة والمجتمع، وعلاقة التفارق هي علاقات اختلاف وسلطة. إذا أردنا الخروج من هذا السديم، وإذا أردنا إعادة بناء الأسئلة، ينبغي على حد قوله أن نعود إلى التاريخ، أو نعود، بشكل أدق إلى تاريخ الكتابة، الذي سمح أن تتمطى هذا الوهم، وإن تعلن عن ذاتها كمستوى مواز ٍ لمستوى المجتمع، ومفارق له. يقول التاريخ: بدأت الكتابة تاريخياً في حقل العلاقات الاجتماعية، بدأت ممارسة ذات وظيفة، تؤول أو تشرح علاقات الإنسان بالمجتمع وبالطبيعة، وبسبب هذه الوظيفة الضرورية، اجتماعيا، أصبحت الكتابة /‏‏ المعرفة سلطة، وبسبب هذه السلطة أصبحت المعرفة امتيازا، وأصبح الكاتب العارف مرتبة اجتماعية، مرتبة تصدر عن حاجة المجتمع إلى هذا العارف اوالكاتب اوالعالم، أي إن سلطة الكتابة /‏‏ المعرفة الصادرة عن وظيفتها الاجتماعية، هي التي سحبت الكتابة من حقل العلاقات الاجتماعية اليومية، ونقلتها إلى مستوى السلطة بالمعنى الضيق للكلمة، ثم سحبتها إلى مدار السلطة السياسية المهنية. وفي مدار السلطة السياسية انخلعت الكتابة عن جذورها الاجتماعية، إذ اصبح مستواها الوحيد هو السلطة السياسية التي تخدمها. نسيت الكتابة في مدار السلطة جذورها الاجتماعية، واعتقدت وهما إن سلطتها تصدر عنها ككتابة محضة. جاءت سلطة الكتابة، إذن، من المجتمع، وجاء تصور سلطة الكتابة من سببية اجتماعية محددة. وهنا يعتقد إن تاربخ الكتابة هي سلطة وظيفتها، وإن تاريخ الكتابة هو تاربخ الصراع الاجتماعي فلا كتابة بلا وظيفة، ولا سلطة كتابية بدون سلطة سياسية تمنحها الجذور. ولكل أشكال الكتابة التي «تنسى» الشعب، وتتوجه إلى مدار السلطة السياسية المسيطرة، وفي هذا التوجه لا يدافع الكاتب عن سلطته بقدر ما يدافع عن تمايزه الاجتماعي، علما أن مفهوم السلطة يتضمن علاقات السيطرة والخضوع، وعلاقات تحقيق مصلحة وإلغاء مصلحة نقيضة.

وهكذا - وفق استنتاجه - تدعي الكتابة السلطة متوهمة إن سلطتها كتصور كتابي، تختلف في دلالتها عن دلالة السلطة السياسية، لكن مفهوم السلطة لا يحمل نظرياً الا دلالة واحدة: تقول بالسيطرة والخضوع، وتقول بتحقيق المصلحة، أي تقول بإلغاء علاقة لصالح علاقة أخرى، وتقول بالقوى، أي بحضور علاقات إرهاب ورهبة، أو بعلاقات يهزم فيها طرف طرفاً آخر، من أجل الإبقاء على علاقات اجتماعية معينة. ومهما كانت الحدود، التي يشير إليها مفهوم السلطة، فإن الأساس فيه هو الرتبة الاجتماعية، التي تتضمن مسافة الكتابة والمجتمع، وبين الكاتب والقارئ، مسافة تكفي لأن تجعل الكتابة تنسى جذور سلطتها، ونستبدل النسيان، بحزمة مقولات عن مقام الكلمة، وطقوس الحروف وإمكانية اللغة. يقول أفلاطون: «يظل العمل العضلي غريباً عن كل قيمة إنسانية، بل يبدو، بمعنى ما، نقيضا لما هو جوهري في الإنسان»، أما أرسطو فيقول: «تأبى الدولة المثلى أن تجعل من العامل اليدوي مواطنا» وتعليقًا على ذلك، يرى دراج تتجلى المعرفة في هذا التحديد، مقولة ارستقراطية - مثالية تحكى مسافة العارف عن الإنسان اليومي البسيط، وتحكى الغاء العارف بالدولة، وتشرح ضرورة لقائهما، لأن الدولة الجديرة باسمها لا تقبل الجاهل مواطنا، ولا تعترف إلا بحامل المعرفة، أي أنها تشطر المجتمع إلى شطربن، يسكن في أحدهما حامل السلطة وحامل المعرفة، ويسكن فى الآخر عبد السلطة وفاقد المعرفة، وفي هذا الأنشطار يصبح دور الدولة هو تأييد مجتمع النخبة، ويصبح دور العارف هو التنظير لضرورة تأييد هذا المجتمع. بحيث يستمر مجتمع «الخاصة» مستبدًا على مجتمع «العامة»٠ يشرح لنا الاقتراب من تاريخ المعرفة الجذور المادية لمقولة سلطة الكتابة، فكما أن المعرفة «تنسى» في مسارها أصولها المادية، وتنتهي إلى دائرة السلطة، فإن الكاتب قد ينسي أحياناً موقعه في السلطة، ويعلن أن جذور سلطته الفعلية هو سلطته الكتابية٠ إن سيرورة العمل الذهني في أغلب الأنظمة كانت ترسم مسار الكاتب، حيث يمارس النصيحة والحكمة والإمتاع، وبسبب هذا التاريخ هيمنت صورة معينة للكاتب والكتابة، وسيطرة معايير معينة في التعامل، معهما، وفي تقويمهما، والصورة المهنية، ترى وحدة المعرفة والسلطة، والمعايير المسيطرة تعزل العارف عن «العوام» وتفرق بين «أدب الإمارة» و «أدب العوام» وتجعل حلم العارف هو الدخول إلى السلطة، حيث يكتب من جديد، وبشكل جديد، كتاب «الإشارة إلى أدب الإمارة»٠ إذا كانت وحدة المعرفة والسلطة، قد لازمت كل الأزمنة، فإن الدعوة إلى زمن متحرر تتطلب كسر هذه الوحدة، واستبدالها بوحدة نقيضة لا تفارق بين العمل الذهني وشروطه الاجتماعي، والا ننسى أن هذه الشروط قوامة على الفكر الذي يكتبها، وتدرك الكتابة لا توازي المجتمع بل تولد فيه وتحمل تحولاته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها