النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12178 الخميس 11 أغسطس 2022 الموافق 13 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

عصر الجماهير والدولة الجمهورية

رابط مختصر
العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443

«الجمهورية» بالمعنى السياسي واللغوي ليس بجديد على ادب التاريخ. انه مصطلح مرتبط بالعامة، بالطبقات الاجتماعية ما دون النخبة، انه ليس الشعب كله ولكن الغالبية العظمى من الشعب، انه تلك الغالبية من الشعب التي تعطي الدولة قيمتها وتشكل كيانها وتهبها اكسجين الحياة، فلا دولة دون هذه الاغلبية، ولا جمهورية ولا ملكية ولا اميرية ولا امبراطورية من غير هذه الاغلبية، ولا حتى ارستقراطية، فكل طبقات النخبة يرتكز وجودها ومكانتها على هذه الاغلبية من العامة، اي على القاعدة، مثل اي صرح بنيان. هذه الاغلبية كانت ومازالت وستظل موضع اهتمام اهل الفكر والفلسفة والحكمة منذ ما قبل سيد الفلاسفة سقراط، سقراط الذي كرس جهده الفكري من اجل اعلاء وتثبيت الفضيلة في العلاقات بين الناس جميعًا، شعبًا متكاتفًا ودولة متماسكة ونظام حكم لا يهتز بفعل الاعوجاج في مسطرة القياس بين الناس، ولا يتزلزل بفعل الاختلال في ميزان توزيع منتوج الامة وخيراتها. بعض انظمة الحكم في الدول القديمة اضطرتها موازين القوة، بين الارستقراطية والعامة، ان تتبنى نهجًا ديمقراطيًا وجمهوريًا. كان للفلاسفة دورًا بارزًا في بلورة الافكار التي تنظم الحياة السياسية بين الارستقراطية والعامة من اجل ضمان الامن الوطني، ولكن تلك الافكار كانت حبيسة المرحلة التاريخية في حينه والتي لم تكن ناضجة كي يكون للغالبية كلمة فاعلة في القرارات التي تهم شئون الدولة، وحتى تلك الافكار الراقية، من حيث ميلها الى العدل والفضيلة، الا انه ما كان لها ان ترقى الى المرحلة التاريخية التي ولدت الثورة الفرنسية وما تبعها من تغييرات سياسية نوعية.

عندنا مصدر تاريخي له مكانة عالية عند المفكرين من فلاسفة واكاديميين وعلماء في المجالات الاجتماعية والانسانية، انه كتاب «جمهورية افلاطون»، والذي مازال، بعد ثلاثة وعشرين قرنًا، موضع بحث ودراسة واهتمام المفكرين، وهذا الكتاب هو النموذج الامثل للافكار في ذاك الزمان عن دولة العدل والفضيلة. افلاطون عندما صاغ افكار استاذه سقراط في الدولة الاقرب الى مفهوم الفضيلة، لم يذكر كلمة «جمهورية» عنوانًا لكتابه، بل ان عنوان الكتاب كان πολῑτείᾱ (پوليتيكا) أي دولة او نظام حكم. المترجمون الاوائل في اوروبا استخلصوا عنوان «جمهورية» من مضمون الكتاب، وكان هذا التصرف تاويلًا منهم، والتصرف كان في مكانه لأن طبيعة نظام الحكم الذي ورد في الكتاب تتمثل فيه فضيلة العدل بين نخبة الحكم والارستقراطية من جهة وطبقات جمهور الشعب من جهة اخرى. تاريخيًا لم تكن الذهنية السائدة في عصر افلاطون مهيئة لاستيعاب النمط الجمهوري للدولة على النمط الذي افرزته الثورة الفرنسية، فكان الناتج الفكري لافلاطون ايدولوجيًا بحتًا ولم يكن في وارد توقعاته امكانية تطبيق افكاره على ارض الواقع في مجتمع كان ميزان القوة فيه بيد النخبة بشكل شبه مطلق، خاصة وان اليونان، دولة وثقافة، كانت تتقاذفها الصراعات الداخلية والتحديات الخارجية، بعد الحرب مع الفرس واسبرطة. 

قديمًا ومنذ القرن السادس قبل الميلاد كانت هناك انظمة جمهورية، خاصة في اليونان وروما، ولكنها جمهوريات التوفيق بين الارستقراطية والعامة، ولكن حصر السلطة بيد الطبقة الارستقراطية رغم وجود مجالس نيابية وانتخابات لتداول السلطة، كل تلك الجمهوريات القديمة كانت بفعل قرارات فوقية، اذ كانت الطبقة الارستقراطية تمتلك قوة تقف عائقًا امام انظمة الحكم الفردي او العائلي، فكانت الطبقة الارستقراطية هي السيدة في تلك الجمهوريات، وبالمعنى العصري فان تلك الجمهوريات لم تكن جماهيرية بل ارستقراطية، ولكنها افضل بكثير من الانظمة الفردية والاستبدادية.مفهوم الدولة الجمهورية او دولة الجمهور، ابتدأ من ارهاصات الفكر قبل الحراك الاجتماعي، فكان المفهوم يحوم في نطاق الايدولوجيا، ومع التراكم الايدولوجي وتأثير الافكار في المجتمع وتطور العلاقات الاجتماعية، ارتقت الايدولوجيا الى المرتبة العلمية، فصار نظام الحكم مادة علمية، والعلم يفتح الباب امام التطبيق. من الايدولوجي الى العلمي ومن ثم الى السياسي حتى اختراق المجتمع ودق الناقوس الذي فتح عقل الجماهير وتفتق منه الوعي بالذات، الذات الغالبة من غالبية الشعب الذي لا دولة من غيره.. قال الجمهور كلمته «انا الشعب وانا الدولة» فتولدت الثورات، وكانت باكورتها الثورة الامريكية ضد السلطة البريطانية، ومن ثم الثورة الفرنسية ضد الاقطاعية والملكية، ومن ثم ثورات 1848 التي اكتسحت اوروبا... 

تسمية الدولة بالجمهورية وبارادة جماهيرية هو المكسب الملموس لعصر الجماهير، رغم عدم اكتمال النظام الجمهوري بالمعيار الجماهيري التام، فمازالت النخبة تداعب مشاعر الجماهير وتعمل على التقليل او التخفيف من سلطة الجماهير في القرارات الاقتصادية في المقام الاول، والسياسية ذات العلاقة بالمصالح المتبادلة في اطار علاقات العمل والانتاج، وطبعًا القرارات التشريعية والقضائية التي يمكنها ان تحد من سلطة النخبة، ومن طبيعة المجتمعات، وبغض النظر عن طبيعتها، ان النخبة المتميزة عن الغالبية الجماهيرية تتشكل من خلال علاقات الانتاج والادوار الوظيفية في مؤسسات الدولة.. لا يمكن تجنب النخبة في اي مرحلة متقدمة من مراحل الدولة الجمهورية في عصر الجماهير، وهذا الامر يشكل مرضًا ملازمًا يقتضي التعاطي معه دون المساس بالمكتسبات الجماهيرية، وهي مهمة عويصة اكثر من كونها صعبة، وهي احدى التحديات التي تنخز الجسم الجمهوري بين حين وآخر بغية التمكن منه نهائيًا او تغيير بعض من طبيعته. هذه النخبة مازالت تملك اوراقًا، تاريخية ومادية ومعنوية، فجمهورية الدولة اليوم قد تم اختطافها طبقيًا في اوروبا وعسكريًا في العالم الثالث والخامس بمن فيهم الدول الجمهورية في العالم العربي.. الجمهوريات في اوروبا والغرب عمومًا صارت تحت سلطة الطبقة البورجوازية، وهذه الطبقة تملك بنواصي الآلة الديمقراطية وتملك الادوات الاعلامية والمالية كلها كي يتيسر لها التلاعب بالطبقات الادنى في المجتمع تحت شعار الدولة الديمقراطية. اما الجمهوريات في الدول الادنى من الدول الغربية فانها تحت رحمة الطبقة العسكرية التي تؤمن بان امنها ومصالحها تتحقق بالسيف لا بالقلم، وهي تتغنى في اعماقها قول ابي تمام «السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ»... 

في مقال سابق وصلنا الى نتيجة مفادها ان عصر الجماهير مازال في طور الطفولة، وهذا بعني ان الدولة الجمهورية مازالت تحبي، لم يشتد عود عظامها بعد.. الخوف من الوأد، ومحاولة الوأد غير مستبعدة، ولكن من منظور التطور التاريخي، دون الخوض في اية حتمية، فان الوقت قد فات على محاولات الوأد، وانه من الحكمة، بالنسبة للذين ينفرون من هذا العصر ومن هذه الجمهورية، ان يقبلوا بالتطور ويتكيفوا مع جميع متطلباته.. عصر الجماهير والدولة الجمهورية هما دعامة الانسان في المستقبل غير البعيد، ولكن بعد صراع مرير..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها